الرئيسية / ما نوع السوق العقارية المستهدف إيجادها؟

ما نوع السوق العقارية المستهدف إيجادها؟

ما نوع السوق العقارية المستهدف إيجادها؟

بقلم : عبدالحميد العمري

تخيل معي أن أغلب أموال وثروات الأفراد والشركات اتجهت نحو شراء الأراضي فقط، واكتفت بامتلاكها لسنوات أو لعقود طويلة، دون أن تشيد عليها أية منتجات عقارية من أي نوع كان! ولماذا يكبد المرء من ملاك تلك الأراضي نفسه عناء وتكاليف إضافية، في وقت يرى خلاله أملاكه من الأراضي تتنامى أسعارها شهرا بعد شهر، وعاما بعد عام دون أي جهد يذكر. فما كان سعر المتر المربع حين الشراء يتجاوز الـ 100 ريال، ها هو اليوم قد تخطى ألفي ريال، وسيمضي صعودا دون توقف إلى ما شاء الله!

وتخيل أيضا أمام الصعود الصاروخي لأسعار الأراضي، زيادة وتيرة المضاربات على ما يمكن تدويره منها، التي سيجني من خلالها المضاربون مكاسب هائلة، كيف لا؟ والمليون ريال المدفوعة في أرض ما، ستعود مليونين في أقل من عام، وهكذا دواليك. وماذا يمنع أيضا في ضوء هذه السوق الرابحة جدا، أن يتم بناء محفظة عقارية معينة، تتوزع أموالها بين 70 في المائة على استثمار طويل الأجل “اكتناز أرض”، و30 في المائة يتم تخصيصها للمضاربات السريعة.

بعدئذ؛ هل تتخيل أمام هذه المكاسب “المضمونة” ذات العوائد الهائلة التي لا ولن يوجد ما ينافسها من بقية فرص الاستثمار الأخرى، أن استثمارا في مشروع خدمي أو تجاري أو صناعي قد لا تتجاوز عوائده السنوية 10 إلى 15 في المائة، قد يغري مالكه بالإبقاء عليه، في الوقت الذي يرى فرصته البديلة في سوق العقار ستحقق له على أقل تقدير ثلاثة إلى أربعة أضعاف عوائده الراهنة أو حتى أكثر؟! حتى إن فضل الإبقاء على استثماره الراهن خارج السوق العقارية، آخذا في الحسبان مئات أو آلاف الأفراد العاملين لديه، وحرصا منه على ألا يفقدوا مصدر دخلهم الوحيد، كيف سيتعامل في المستقبل القريب مع تحديات ارتفاع تكلفة الإيجارات عليه؟ وكيف سيتعامل مع مطالب العاملين لديه لرفع أجورهم الشهرية، لأجل مقابل ارتفاع تكلفة المعيشة عليهم، التي جاء أغلبها نتيجة ارتفاع إيجارات أو استقطاعات قروض شراء مساكنهم؟ هل تظن أنه قد بقي لديه أية فرصة للبقاء أمام الأمواج الهادرة لأسعار الأراضي والعقارات؟!

أخيرا وليس آخرا؛ ما السياسات الاقتصادية التي سيكون على الحكومة اتخاذها لمواجهة هذه التحديات الجسيمة؟ كيف ستواجه زيادة اجتذاب السيولة نحو الاستثمار في الغالب في مجرد أراض، والمضاربة عليها؟ دون إغفال ما قد يتم استثماره في عقارات مدرة للدخل السنوي؟ وكيف ستواجه انسحاب السيولة من مواقع الإنتاج والتشغيل إما بحثا عن مكاسب أكبر، أو هربا من ارتفاع تكلفة التشغيل والإنتاج والتوظيف على كاهلها؟ وكيف ستواجه ارتفاع تكلفة المعيشة على أفراد المجتمع، الذين سيتجدد معهم هذا الأمر دوريا مع كل موجة ارتفاع سعرية لا تتوقف لأسعار الأراضي والعقارات وإيجاراتها؟ وما الخيارات التي بقيت أمام أجهزة الحكومة للتعامل مع هذه المتغيرات أو التحديات التنموية الجسيمة المتصاعدة؟ وكيف لها أن تتحدث عن الضرورة القصوى لتنويع قاعدة الإنتاج المحلية؟ ولتأسيس بيئة مستقرة تسمح بإنشاء كيانات تجارية وصناعية وخدمية، تكون مؤهلة لإيجاد مئات الآلاف من فرص العمل أمام مئات الآلاف من الباحثين والباحثات عنها من المواطنين؟

رغم أن كل ما تقدم خيال مفزع جدا، إلا أن جزءا منه ليس بالحجم الهين قد تحقق على أرض الواقع! وأرقام سوق العقار تثبت هذا؛ فوفقا لبيانات وزارة العدل المتعلقة بالسوق العقارية المحلية، أثبتت تركز أكثر من 90 في المائة من السيولة المدارة في السوق طوال الأعوام الماضية على بيع وشراء أراض فقط، وستظل النسبة مرتفعة جدا حتى وإن اعترض أحدهم قائلا، إن جزءا من توصيف تلك البيانات غير دقيق، حيث توجد عقارات متعددة الأنواع، تم إثبات صفقاتها على أنها أراض في الوقت ذاته الذي تعد في الأصل منتجات عقارية. فهل يتخيل ذلك المعترض على دقة البيانات العدلية، أن نسبة قيم صفقات الأراضي تلك قد تنخفض إلى أدنى من 30 أو 20 في المائة على أبعد تقدير؟ مقابل استحواذ المنتجات العقارية المختلفة على النسب المتممة لها، وهي النسب المقبولة التي تعكس وجود سوق عقارية فعليا، لا مجرد سوق أراض! وهو ما يعني أن الخلل ما زال جاثما بآثاره السلبية في السوق وفي الاقتصاد الوطني بأكمله.
ماذا نقول أمام حقيقة أن النشاط العقاري “التشييد والبناء” خلال 2014 لم تتجاوز نسبته إلى الناتج المحلي الإجمالي 4.9 في المائة؟ بينما وصلت نسبة قيم الصفقات العقارية على الأراضي فقط للعام نفسه إلى 17 في المائة؟ أي 3.5 أضعاف؟ ولا تزال تلك المقارنة حتى تاريخه تصب في مصلحة الصفقات على الأراضي مقارنة بالإنفاق على التشييد والبناء، على الرغم من الركود الذي أصاب السوق، متراجعة إلى 8.1 في المائة كنسبة لقيم صفقات الأراضي إلى الناتج المحلي الإجمالي، مقابل 4.6 في المائة للتشييد والبناء.

الفارق كبير جدا بين أن نتحدث عن سوق عقارية محلية، يتحرك في داخلها نشاط اقتصادي منتج حقيقي، ترى آثاره الإيجابية تنعكس على الاقتصاد والمجتمع بكثير من الفوائد التي لا حصر لها، وبين سوق لشراء وبيع أراض جرداء، يستهدف الناشطون فيها فقط الفوز بمكاسب هائلة من فروقات أسعار الشراء والبيع، دون أن يترجم امتلاك تلك الأراضي بإنشاء منتجات عقارية متعددة الاستخدام.

أن تتحول السوق العقارية إلى مجرد سوق لتدوير الأراضي في الغالب، فهذا يعني أننا نقبل بأن تكون الأراضي “كعنصر إنتاج” إلى صفيح ساخن جدا، سيتسبب استمرار ارتفاع وتضخم أسعارها في تضخم أسعار وتكاليف كل ما فوقها من نشاطات اقتصادية دون استثناء، وسيرفع بكل تأكيد تكاليف الحياة على اختلاف أنواعها “إنتاجيا، استهلاكيا”، وتتآكل معه القيمة الحقيقية للعملة الوطنية، وسيترتب عليه بالضرورة استنزاف أغلب الموارد المحلية لأجل مواجهة هذا الغليان السعري في الأراضي، وأن تضطر السياسات الاقتصادية لأن تسلك طرقا بالغة الوعورة لعلها تتكيف مع هذا التضخم بالدرجة الأولى، وفي الدرجة الثانية للتكيف مع ما قد ينشأ عنه من تحديات تنموية جسيمة، أو حتى أزمات اقتصادية واجتماعية لا قبل لأي اقتصاد بها.

إن المستهدف إيجاده هو سوق عقارية تخدم اقتصادها ومجتمعها، لا أن تستنزف دون توقف موارد وجهود الاقتصاد والمجتمع، وهو ما لا يمكن لسوق قائمة بالدرجة الأكبر على مجرد اكتناز وتدوير الأراضي، في الوقت ذاته الذي لا يمكن أن يوفي بوجود مثل هذه السوق العقارية الكفؤة، إلا أن تعمل على محاربة وكبح تركز الأموال والثروات على الأراضي فقط “اكتناز، مضاربة” عبر تفعيل جاد وصارم لنظام الرسوم على الأراضي، وتشجيع ودعم تطوير وتشييد تلك الأراضي، لتحويلها إلى منتجات عقارية متعددة الأغراض، تستهدف تلبية احتياجات البلاد والعباد منها.

والله ولي التوفيق.

نقلا عن الاقتصادية



كاريكاتير