الرئيسية / تجربة التوحيد بلورة هوية و تشكيل وطن !

تجربة التوحيد بلورة هوية و تشكيل وطن !

تجربة التوحيد بلورة هوية و تشكيل وطن !

بقلم : أ.د.صالح بن سبعان

لعلي أشير إلى مسألة مهمة أرى أن الكثير من المؤرخين و المحللين الذين تناولوا بالدراسة تجربة توحيد كيان الدولة أهملوها.
و هي: أن تجربة التوحيد تضمنت في أحشائها و في صميم نسيجها الحي بذرة ملامح مستقبلها متمثله في مفردتي التأسيس و التحديث.
و هذا شئ يبدو إستثنائياً في التجارب التاريخية لإنشاء الدول.
فالسائد و المعهود هو أن يكون توحيد الكيانات المتشردمة و الكتل المتنافرة تجربة و ملحمة قائمة بذاتها و تبرز أمامنا عدة تجارب تاريخية على هذا، التجربة الألمانية على يدي بسمارك و التجربة الدستورية الأمريكية.
و يدلك على هذا القطع بين توحيد الكيانات الإجتماعية و إرساء أسس الدولة ثم تحديثها و دفعها إلى مصاف الدول الأكثر تقدماً تجربة المغول التتار التي قام فيها جنكيزخان بتوحيد هذه القبائل، و لكنه لم يقم بإرساء أسس دولة حديثة، و إنما إنطلقت جحافلهم مع هولاكو في أكبر غزوة تاريخية اعتمدت الحصان و السيف، و لكن ولأن الإمبراطورية كانت تفتقر إلى البعد الرسالي أو البعد الأيديولوجي اعتنق الغزاة و في المجتمعات التي قاموا بغزوها.
ثمة الكثير مما يمكن أن يقال حول هذا اتفاقاً و اختلافاً.
و لكن لا يسعنا سوى التأكيد بأن ملحمة توحيد كيان الدولة التي انطلقت فجر الخامس من شهر شوال عام 1319هـ الموافق 15 يناير 1902م حيث استطاع الملك عبدالعزيز، و الذي لم يتجاوز عمره آنداك 26 عاماً أن يستعيد مدينة الرياض واضعاً بذلك اللبنة الأولى لهذا الكيان الشامخ استطاع و منذ تلك اللحظة التاريخية أن يختصر مراحل تاريخيه عديدة، ليس نحو توحيد هذه المجتمعات و الكيانات المتناثرة فحسب، بل و أن يرسي أسس دولة كبيرة ثم يقوم بتحديثها و تنميتها واضعاً أقدامها في مضمار المنافسة السياسية الدولية لتكون لاعباً أساسياً و رئيسياً في تشكيلة الدول ذات التأثير الأقوى في الإتجاهات السياسية و الإقتصادية و الثقافية، لا في حدود المنطقة الإقليمية فحسب بل و في كامل محيط السياسة الدولية.
لا يسعنا سوى التأكيد بأن ملحمة التوحيد كانت مجرد “مقدمة” – و أرجو أن نشدد على مقدمة هذه – الأهداف كانت مختزلة داخل رحم لحظة التوحيد.
فلم يأت تأسيس الدولة و تحديثها كهدف ثان و إنما جاء كتداع تلقائي للتوحيد.
لا احسبنا في هذه اللحظة في حاجة لأن نسرد و نستعرض تفاصيل وقائع ملحمة التوحيد التي بدأت بتوحيد مناطق نجد في الفترة من 1320هـ إلى 1321هـ بتوحيد المناطق الواقعة جنوب الرياض بعد الإنتصار في بلدة الدلم قرب الخرج ثم الحريق و الحوطة و الأفلاج و وادي الدواسر.
و من ثم إلى منطقة الوشم و شقراء حيث واصل المؤسس زحفه صوب ثادق و منطقة سدير و المجمعة. وفي الفترة من 1321إلى 24 هـ استطاع الملك عبدالعزيز توحيد منطقة القصيم بعد مجموعة من المعارك في الفيضة و البكيرية و الشنانة و في المعركة الحاسمة في روضة مهنا في 18 صفر 1324هـ الموافق 14 أبريل 1906 م.
لا احسبنا في حاجة إلى سرد تفاصيل تلك الأيام المجيدة و التي توجت في 17جمادي الأولى 1351هـ بالمرسوم الملكي بتوحيد كل أجزاء الدولة السعودية الحديثة فتفاصيلها محفورة في ذاكرة التاريخ و مدونة في كتب بالتاريخ الحديث و المعاصرة كواحدة من أعظم الإنجازات التي تحسب للبطل المؤسس و الرجال الذين آمنوا بفكرته و بايعوه قائداً و إماماً لهم بإخلاص لإنجاز هذه المهمة التاريخية التي كانت تبدو أقرب إلى الحلم المستحيل في وجدان من تمتعوا بهذا الوعي التوحيدي.
و لكن و قبل أن نتناول دلالات هذه التجربة الملحمية و قبل أن نحاول قراءة مضامين الأسس التي قامت عليها الدولة الوليدة آنذاك دعونا نعود إلى الوراء قليلاً، و نسأل: كيف تسنى لتجربة التوحيد أن تحمل في رحمها كل هدا الزخم المستقبلي؟
لقد أطلت التفكير في هذا و لم أهتد إلا لإجابة واحدة و هي أن قائد هذه الملحمة إستطاع – و بطريقة عفوية وشبة فطرية أن يتمثل العقل الجمعي اللاشعوري لمجتمعة. و أنه كان مهيئاً للإستجابة لأحلام هذا العقل و تطلعاته بما تمتعت به شخصيته من مزايا و خصائص متفردة.
و ثمة الكثير مما كتب عن التأثير و التأثر الموضوعيين بين الظروف السياسية و الإجتماعية الواقعية لأي مجتمع و البطل التاريخي الذي يقود شعبه للتصدي للتحديات التي يواجهها هذا المجتمع.
و هو تأثر و تأثير لا يمكن أن ينكرهما منكر فالظروف الموضوعية و التحديات لا تخلف البطل إلا بقدر ما يوجهها و يؤثر في حركتها و اتجاهها و خلقها هو.
و قد توفرت في شخصية الملك عبدالعزيز العناصر التي جعلت منه مستودعاً لأحلام شعبه و بوصلة لإستشراف معالم مستقبلها، و قارئاً واعياً بمدى حاجتها الضرورية للتوحد.
و يدرك المؤرخون مند أقدم العصور أن جزيرة العرب و لطبيعة تكوين مجتمعاتها لم تعرف التوحد سوى مرة واحدة في تاريخها مند أقدم العصور فهي موزعة بين كتل و كيانات أقليمية جهوية و قبلية متفرقة، أو بين أحلاف و تحالفات داخلية و خارجية، لم تتوحد في كيان سياسي واحد يجمع شتاتها سوى مرة واحدة في صدر الإسلام،ثم لم تلبث أن عادت إلى حالتها السابقة من تشردم و تفرق و شتات.
وحده استطاع الملك عبدالعزيز – طيب الله ثراه – و جزاه عن أمته خيرا ًفي آخرته أن يوحدها و يجمع شتات أهلها و مجتمعاتها في كيان سياسي على أساس متين من شرع الله الذي يوحد و يجمع عقول و قلوب أهلها و ليواصل أبناءه من بعده استكمال البنيان الذي أرسى أسسه و النهج الذي سار عليه
دعونا الآن نتقدم خطوة أخرى لنسأل أو نتسائل عن هوية هذه الأسس التي انطلقت منها تجربة التوحيد و التي كانت النطفة التي اشتملت على الأشكال الجنينية للدولة هويةً و مؤسساتاً.
فكرة التوحيد في حد ذاتها قاعدة دينية و تعتبر هي المدخل الأول للإيمان بالله. و من هنا فإنها سياسياً و دنيوياً تتجلى في توحيد الدولة المتوزع ولاء أهلها بين الكيانات الجهوية و المذهبية و القبلية، لتذوب الولاءات المتناثرة المتفرقة في مصب هو الدولة القائمة على أساس من الشرع الإسلامي الذي ينظم الحياة الفردية الشخصية و الحياة الاجتماعية العامة و العلاقات بينهما و في هذه التجربة فإن التنمية والتحديث عن طريق العلم هما الوجه الدنيوي أو الإنعكاس التطبيقي العملي للأمر الإلهي للإنسان بإعمار الأرض و الإرتقاء بالحياة فيها إلى يتحقق فيها الأمر الإلهي بالعدل و الإحسان لكل حي و شئ في هذه الأرض.
و يدلنا على مدى تداخل اللحظات الثلاث و اندماجها و هي لحظات التوحيد و التأسيس و التحديث إنه لم يكد ينقضي عامين على إعلان التوحيد حتى أسس الملك المؤسس وزارة المعارف العامة عام 1926م و التي شرعت باستقدام المدرسين من الخارج و في العام نفسه أسس في الرياض و المناطق المتاخمة لها 12 مدرسة حكومية و أهلية بلغت ميزانيتها حوالي 6 آلاف جنية بين عامي 1928-1929 ثم ارتفعت في العام التالي 29-1930م إلى 23 ألفاً و في أوائل الثلاثينيات أنشئت مدارس جديدة في مدن الحجاز و في الرياض ثم في حائل و بريدة و عنيزة و القطيف و الجبيل.
ثمة أمر و نحن نناقش هذا يجب أن ننتبه إليه جيداً و هو أن التحديث و رغم أنه كان ضرورة أكثر من قصوى نسبة للتخلف الشديد الذي كانت تعيشه مجتمعاتنا بسبب عزلتها الطويلة، و التي امتدت لآماد سحيقة باعدت الشقة ثقافياً و حضارياً بيننا وبين مجتمعاتنا العربية الشقيقة الأخرى، و التي تعرضت لصدمة التحديث التي ترافقت مع دخول الإستعمار البريطاني و الفرنسي بلادها.
إلا أن هدا التحديث واجهته القوى المحافظة عندنا بمقاومة شديدة رغم أنه لم يأت محمولاً على أكتاف المستعمر الأجنبي، بقدر ما كان نابعاً من ذاتنا و إحساسنا بضرورته لإرتقاء دولتنا و محاولتنا اللحاق بركب المجتمع العالمي الحديث الذي تتراكض خطواته متسارعة تقدماً و تطوراً، و أخداً بالوسائل العصرية في الإنتاج و النظم و في وسائل الحياة المعيشية.
و هذا هو المأزق الذي يواجه هوية المجتمعات دائماً.
أعني هذا الصراع المفتعل بين الهوية و التغيير أو كما يسمى أحياناً بين الأصالة والمعاصرة.
و إلى الآن لم أجد، و أظنكم مثلي لم تجدون من يقنعنا بأن هناك تناقض و تضاد بين التغيير و التطور و التحديث أو بين المحافظة على الهوية و الأصالة و الخصوصية الثقافية لأي مجتمع.
و كان الملك المؤسس في طليعة من تمتعوا بالرؤية المتجاوزة الواعية الواضحة لهذا المشكل الذي شغل و ما زال يشغل عقول كثير من مفكري دول العالم إلى الآن. فعلى الرغم من تحفظات و مقاومة المحافظين أيد الملك عبدالعزيز – رحمه الله – إدراج مواد مثل الرسم الهندسي و اللغة الأجنبية و الجغرافيا في المناهج الدراسية. في وقت كانت فيه حوالي 22 ساعة دراسية في المدارس الإبتدائية مكرسة للمواد الدينية من مجموع 28 ساعة دراسية. و حتى في المدارس الثانوية و في السنة النهائية منها كانت هذه المواد تشكل 25% من الحصص.
و إبتداء من ديسمبر 1924 م بدأ في مكة صدور جريدة (أم القرى )شبة الرسمية، و في 1932 م صدرت جريدة “صوت الحجاز” ثم حلت محلها صحيفة “البلاد” التي أصبحت عام 1953 م أول جريدة اسبوعية و صدرت “المدينة المنورة” قبلها في عام 1938 م و غيرها من المجلات التي كانت تصدر بشكل غير منتظم في مكة، أما بالنسبة لنجد فقد صدرت مجلة اليمامة الأسبوعية عام 1953 م في الرياض.
لم تكن خطوات التحديث في المملكة عند بدء تأسيس الدولة تسير بسهولة و إنما كان التحديث يتم عبر مشاق و مكابدات و إعتراضات تثار من قبل قوى ذات تأثير من داخل المجتمع، و أظنكم جميعاً على علم بتفاصيل وقائع تلك الأيام المجيدة التي كان الملك الإستثنائي يعمل فيها بجد و إصرار و قوة إرادة و صبر خرافي لكي ينجز أكبر ثلاث مهام يمكن أن يواجهها رجل تاريخي، توحيد مجتمعات متناثرة، و تأسيس دولة من الصفر، ثم تحديث الدولة و المجتمع و الإنطلاق بهما لإختصار مسافة زمنية بين هذه الدولة و العالم، و هي مسافة كبيرة و واسعة، إلا إن كل ذلك تحقق بفضل الله ثم بفضل وعي و إخلاص و قوة إرادة الشعب و قادته و ولاة أمره.
لله الحمد والفضل و المنة.««



التعليقات


ملاحظة:لايسمح بالتعليق بعد مرور48 ساعة على نشر المحتوى

1 - عباس
2018-09-24 05:57:33
الحكمة هي فعل ما ينبغي في الوقت الذي ينبغي كما ينبغي ، والحكمة رزق من الله يؤتيه من يشاء (يؤتي الحكمة من يشاء) والنور رزق من الله ينير به بصيرة من يشاء من خلقه (ومن لم يجعل الله له نورا فماله من نور )
لا يعجبني(0) اعجبني(0)

أضف تعليق
كاريكاتير