الرئيسية / القرن الأفريقي في قصر السلام.. مغزى المصالحات!

القرن الأفريقي في قصر السلام.. مغزى المصالحات!

القرن الأفريقي في قصر السلام.. مغزى المصالحات!

بقلم : د. زهير الحارثي

النشاط السياسي الذي تقوم به المملكة يعكس نهج الدبلوماسية السعودية التي تحرص على حل الخلافات والنزاعات ورأب الصدع من خلال اللقاءات المباشرة، لتقريب وجهات النظر بين الأشقاء وتعزيز الأمن والسلم في العالم..

عندما تولى خادم الحرمين الملك سلمان مقاليد الحكم كان من الأولويات للدبلوماسية السعودية الالتفات نحو القارة الأفريقية والتي لم تحظ باهتمام كبير في العقود الماضية مقارنة بالقارات الأخرى. الغياب أو ضعف الحضور في تلك القارة السوداء أتاح لدول أخرى من التمدد وملء الفراغ واستغلال الوضع لأجندتها، ولذا سرعان ما صدر عن الرياض قرار إستراتيجي نتجت عنه زيارة أغلب الزعماء الأفارقة للمملكة خلال السنة الأولى للعهد الجديد ما عزز قنوات التواصل وأثمر عن اتفاقيات على كافة الصعد، والأهم أنه هيأ للمملكة وتلك الدول فرصة للتقارب في وجهات النظر والتنسيق في المحافل الدولية.

كان حراكاً دبلوماسياً لافتاً في الأسبوع الماضي عندما احتضن قصر السلام بجدة زعماء ورؤساء دول القرن الأفريقي كجيبوتي وأثيوبيا وأريتريا بدليل ما رشح عنه من عقد مصالحات بين تلك الدول وإنهاء للخلافات والنزاعات بينها التي ظلت لسنوات عديدة. هذا النشاط السياسي يعكس نهج الدبلوماسية السعودية التي تحرص على حل الخلافات والنزاعات ورأب الصدع من خلال اللقاءات المباشرة. تتضح هنا محورية السعودية ودبلوماسيتها الفاعلة لتقريب وجهات النظر بين الأشقاء لأجل تعزيز الأمن والسلم في العالم.

بالأمس أعرب مجلس الأمن بالإجماع عن تقديره للدور الذي لعبه الملك سلمان في إحلال السلام، وأن ما حدث هو تطور تاريخي ينعكس إيجاباً على منطقة القرن الأفريقي. طبعاً لا يفوتنا هنا أن نشيد بحكمة وشجاعة زعماء تلك الدول وجهودهم في حل الخلافات. الوضع الإقليمي يتسم بدرجة كبيرة من السيولة السياسية، ولذلك لم تعد التحالفات في منطقتنا كافية لمواجهة التحديات لاسيما في ظل تمدد إيراني مقلق، ما يعني ضرورة فتح باب التعاون والتشاور مع دول أخرى لمواجهة هذا المخطط الإيراني وخلق توازن لموازين القوى في المنطقة. قبل سنوات وفي زياراته لدول أفريقية عزف الرئيس السابق أحمدي نجاد آنذاك على وتر التاريخ الاستعماري مذكراً إياهم بما فعلته القوى الغربية بأراضيهم وأجدادهم، زاعماً أن إيران تسعى لتحقيق المصالح الأفريقية كون توجهاتها تختلف عن «القوى الغربية والفاعلين الإقليمين الآخرين الذين يسعون إلى استغلال الأفارقة».

كانت الدبلوماسية الإيرانية تتغلغل في أفريقيا حينذاك لاستقطاب أصوات تقف إلى جانبها في صراعها الدبلوماسي مع الغرب بشأن برنامجها النووي فضلاً عن إنشاء حوزات شيعية والتي شجعت تكاثرها وتدعمها مالياً ومعنوياً، ليس من مبدأ ديني وإنما لدعم مخططاتها السياسية. نشير هنا للوجود الإيراني في أفريقيا وحضورها العسكري في أرتيريا وتداعيات ذلك على الأمن القومي العربي. غير أن البعد الإستراتيجي للسياسة الإيرانية يهدف بالطبع إلى كسب تأييد الدول الأفريقية لمواقفها السياسية، والحقيقة أن العلاقات الإيرانية – الأفريقية شهدت نمواً ملحوظاً خلال العقد الماضي مقابل تراجع واضح للدور العربي في أفريقيا، ما يعني خللاً إستراتيجياً بدا ملموساً على الأصعدة السياسية والاقتصادية والدينية أي ضعف الحضور السني مقابل الشيعي.

طهران أيضاً استفادت من ممارسات وسلوكيات الجماعات المتشددة في مالي ونيجيريا والمرفوضة شعبياً من أجل تسويق الفكر الشيعي، وبالتالي توظيفه لأجندتها السياسية، ولذلك تبرز أهمية التقارب مع دول القرن الأفريقي لقطع الطريق على المخطط الإيراني الذي يسعى لتصدير الثورة لعمق القارة السمراء. كما أن قطر قد تدخلت عام 2010 لعقد مصالحة بين أريتريا وأثيوبيا التي لم تستمر ثم تملصت من التزاماتها ما أدى لقطع أريتريا علاقاتها مع الدوحة في حين أن جيبوتي خفضت تمثيلها الدبلوماسي معها.

القرن الأفريقي له أهمية إستراتيجية كونه يطل على مضيق باب المندب ويقطنه حوالي 95 مليون نسمة ويمر من خلاله ربع التجارة العالمية. ولذا تُعد للرياض موقعاً إستراتيجياً من كونها تخدم تأمين باب المندب والبحر الأحمر ومواجهة القرصنة فضلاً عن دعم عملياتها العسكرية في اليمن. ثمة رؤية سعودية تسعى إلى تكريس معادلة سياسية وعسكرية تهدف لقطع الطريق لمن يريد اختراق تلك الدول للإضرار بالمملكة، وبالتالي لا بد من حماية أمنها وملء الفراغ هناك بما يخدم أهدافها الإستراتيجية ومصالحها العليا.

نقلا عن الرياض



كاريكاتير