هل يتقمص القطاع الخاص سقوط «نيمار البرازيلي»؟

هل يتقمص القطاع الخاص سقوط «نيمار البرازيلي»؟

اشتهر اللاعب البرازيلي “نيمار” بالسقوط التمثيلي في منطقة جزاء الخصم، مع أي احتكاك مهما كان مع دفاع الخصم، وملاحقته المتكررة للحكام للمطالبة بضربة جزاء، حتى أصبح مثار سخرية واسعة في عالم كرة القدم المعاصرة، ووصل به الحال إلى غلبة الشعور لدى الحكام بعدم تصديق أي سقوط للاعب حتى إن كان فعلا قد تعرض لإعاقة تستحق منحه ضربة جزاء. كان اللاعب بتمثيله السيئ المتكرر للسقوط السبب الرئيس وراء ترسخ هذه الصورة الذهنية السلبية عنه لدى الحكام والجماهير، بل لدى زملائه اللاعبين من فريقه نفسه.

أستحضر قصص هذا اللاعب صاحب الأفلام المكشوفة بزيفها، أمام الأعذار الكثيرة جدا التي طالما تعذرت بها غالبية منشآت القطاع الخاص، تجاه أغلب القرارات والإجراءات والسياسات المتعلقة بالقطاع في أغلب المجالات، التي يأتي على رأسها ما يتعلق بسياسات التوطين! فما إن تصدر أي منها؛ سرعان ما تتسابق أقدام أرباب وملاك تلك المنشآت نحو المنابر الإعلامية ومكاتب المسؤولين الحكوميين وفي كل الميادين العامة؛ لرفع الالتماسات والأعذار والتذمر والشكاوى من تلك القرارات والإجراءات، والدخول في دوامة لا تنتهي من الأنين والشكاوى المطالبة باستثنائها أو تخفيفها أو حتى قد تصل إلى المطالبة بإلغائها جملة وتفصيلا.

اللافت هنا؛ الندرة التي تكاد تصل إلى حدود العدم، حينما تعود إلى الوراء زمنيا على أقل تقدير خلال السنوات العشر الماضية، متى صدر قرار أو إجراء أو برنامج كان القطاع الخاص هو المعني الأول به، ووجدت قبولا له دون تذمر من أغلب منشآت القطاع الخاص! الواقع ينفي حدوث شيء من هذا الأمر، وليت من يستطيع من منشآت القطاع الخاص “إفحامنا” في هذا الشأن بحالة واحدة على أقل تقدير. الحقيقة المرة هنا، أننا سنجد أنفسنا كثيرا أمام أعذار “نيمارية” – نسبة إلى نيمار صاحب السقوط التمثيلي في كل منطقة جزاء للخصم – سرعان ما تئن بها أغلب منشآت القطاع الخاص مع أي قرار أو إجراء حكومي، وهو ما أضاع كثيرا على القطاع الخاص من فرص الاستماع والفهم اللازم لما قد يكون فعلا يمسه بالضرر الحقيقي، وما ذلك إلا لكثرة سقوطه التمثيلي، وادعائه التأثر السلبي والخطير على استقراره وأرباحه؛ نتيجة لإلزامه بأي قرارات أو إجراءات جديدة.

تأتي في مقدمة القرارات والإجراءات، التي دائما ما يقابلها “سقوط نيماري” من قبل أغلب منشآت القطاع الخاص – تلك المتعلقة بسياسات وبرامج التوطين، لندخل جميعا مع تلك المنشآت في مسارات بالغة التعقيد دون عذر مفهوم ومقنع، وحينما تتم مواجهة القطاع الخاص: لماذا تكشف البيانات الرسمية عن تدني نسب توطينها فرص العمل لديها؟ وعن عدم محافظتها على العمالة الوطنية لديها لفترات زمنية أطول؟ وعن انخفاض نسب توطين المناصب القيادية والتنفيذية لديها؟ تأتي الأعذار والأسباب من القطاع بوزن أخف من بعضها بعضا، ولا يستطيع أي عذر أو سبب منها الصمود أمام أقل الرياح سرعة في وجهها؛ كونها لا تمت إلى الحقيقة في الغالب إلا ما ندر.

الأعذار دائما جاهزة لدى تلك المنشآت الكبيرة العدد في القطاع الخاص؛ لتبرير أي “سقوط” في نسب التوطين، أو للمحافظة على العمالة الوطنية، أو لعدم الثقة بها وتعيينها في المناصب العليا. فبالنسبة إلى انخفاض نسب التوطين، دائما تتعذر تلك المنشآت بانخفاض مؤهلات ومهارات العمالة الوطنية، في الوقت ذاته الذي تظهر أحدث نشرات سوق العمل الصادرة عن الهيئة العامة للإحصاء، أن نسبة حَمَلَة الشهادة الجامعية فأعلى من العاطلين المواطنين تبلغ 53 في المائة “تبلغ للذكور 28.4 في المائة، وللإناث 72.4 في المائة”، وبإضافة العاطلين من حملة شهادة الدبلوم دون الجامعة إليهم، ترتفع النسبة من العاطلين المواطنين إلى 60 في المائة “تبلغ للذكور 39.4 في المائة، وللإناث 77 في المائة”، وتصبح النسبة مفجعة جدا حينما يضاف إلى ما تقدم ذكره من عاطلين مواطنين حملة الشهادة الثانوية؛ إذ ستصل إلى 90.3 في المائة من إجمالي العاطلين المواطنين، يمثلون حملة الشهادة الثانوية فأعلى من إجمالي العاطلين “تبلغ للذكور 84.3 في المائة، وتبلغ للإناث 95.2 في المائة”. كل هذا يحدث وسط حقائق أخرى تشير إلى ارتفاع ساحق لنسب العمالة الوافدة المتدنية التعليم والمهارات، وصلت في المتوسط خلال السنوات الماضية إلى أعلى من 88 في المائة، ممن لا تتجاوز مؤهلاتهم الشهادة المتوسطة فما دون.

وفي خصوص العذر الدائم من قبل منشآت القطاع الخاص، أن الموظف أو الموظفة السعوديين لا يلتزم بعقد عمله، وهو الذي سرعان ما يترك وظيفته، فحين العودة إلى أسباب ترك العمل وفقا لنشرة سوق العمل – الهيئة العامة للإحصاء، يظهر لدينا أن “قلة الأجر أو الراتب” تقف كأول أسباب ترك العمل السابق، بما لا تقل نسبته عن 29.2 في المائة من المتعطلين الذين سبق لهم العمل، وفي المرتبة الثانية يأتي “التسريح بواسطة صاحب العمل” بـ 29.1 في المائة، وفي المرتبة الثالثة تأتي “نهاية العقد المؤقت” بـ 10.6 في المائة، ليصبح المجموع الإجمالي 68.9 في المائة؛ أي ما يقارب سبعة أعشار، وبالنظر فيها سنجد أن منشآت القطاع الخاص هي التي تقف بنسبة أكبر خلف ترك المواطنين والمواطنات أعمالهم ومصدر رزقهم، وتعليقا على السبب الأول “قلة الأجر أو الراتب”، تظهر بيانات التأمينات الاجتماعية أن 68 في المائة من إجمالي المواطنين والمواطنات العاملين في القطاع الخاص، لا تتجاوز أجورهم الشهرية سقف الخمسة آلاف ريال شهريا، وأن 46 في المائة من العمالة الوطنية لا تتجاوز سقف الثلاثة آلاف ريال شهريا.

أخيرا، أمام توطين المناصب العليا والتنفيذية، لا شك أن وعورة الطريق إلى الحصول على وظيفة في القطاع الخاص، وصعوبة المحافظة على تلك الوظيفة – إن جاءت – كما تقدم ذكره أعلاه، تبين بما لا يدع مجالا للشك أن الوصول إلى أي من تلك المناصب العليا سيكون أصعب، وهو بالفعل ما حدث ويحدث، فالقوة الأكبر لصناعة القرار داخل منشآت القطاع الخاص تستأثر بها العمالة الوافدة في أغلب نشاطات القطاع، ولعل هذا ما يفسر – إلى حد بعيد – أكبر أسباب ممانعة القطاع الخاص تجاه برامج التوطين بشكل عام.

وماذا بعد؟ أجد أنه من الأهمية بعد اتضاح أهم وأبرز أجزاء الصورة العامة لقضايا توطين فرص العمل في القطاع الخاص وفق ما تقدم، أن تتم مناقشة ودراسة عدم تقدم برامج التوطين كما يجب في الجزء المقبل، بمشيئة الله تعالى.
والله ولي التوفيق.

نقلا عن الاقتصادية

التعليقات مغلقة.

تعليق

  • 1
    عبدالله الناصر / حائل

    نيمار يلعب بكل الجهات والأتجاهات يخب الدولار بهوس ولكنه يلعب متى شاء رأيناه هذا المساء وهو يلحن ويلقن في آن 1 بالنسبه لقطاعنا الخاص فهو متدهور كما ان وزارة العمل يبدو للمتابع بائسه وبدون تطلعات ابدآ