الرئيسية / الدولة والمواطن.. حديث في العدالة

الدولة والمواطن.. حديث في العدالة

الدولة والمواطن.. حديث في العدالة

بقلم : د. زهير الحارثي

التعاطي مع هذه الحادثة ليس الهدف منه قطع الطريق على من امتهن تسييسها، بل أيضاً لكشف الحقيقة على اعتبار أن الدولة لها موقف دائم ومعلن في اهتمامها بمواطنيها، وأنها لا تتردد في محاسبة المسؤول متى ما توافرت أدلة قاطعة تدينه.

العدالة، ومنذ المجتمعات البدائية القديمة وإلى يومنا هذا، لم تزل تشكل هاجسا مهيمنا على الوعي الاجتماعي، ولكي تتحقق فإنه لا بد من وجود إرادة، وهي بمنزلة الدافع للسمو الحضاري الإنساني. استهلال يقودنا للإجراءات التي اتخذتها المملكة في كشف ملابسات قضية المواطن جمال خاشجقي رحمه الله. يمكن القول إن هناك ثلاث نقاط رئيسة يمكن التقاطها من البيانات الرسمية الصادرة. تطبيق العدالة ورعاية الدولة لمواطنيها، ومحاسبة المتورطين مهما كان موقعهم، والاعتراف بالخلل الإداري ومعالجته.

سلوك الدولة السليم يعزز مكانتها بلا أدنى شك، ويرسخ مدلولات العدالة إذا طبقت على الجميع دون تمييز. صدور الإعفاءات الملكية لعدد من الشخصيات في الدولة، جاء ليؤكد أن لا أحد فوق القانون ولا استثناءات، فالمحاسبة تشمل من تورط في هذا الفعل. الأمر الآخر يتمثل في اهتمام الدولة بالمواطن، ومتابعة أحواله في الخارج أيا كان حينما يتعرض لمخاطر أو مشكلات قانونية أو بحاجة إلى مساعدة وفقا لتوجيهات عليا تنفذها البعثات السعودية في الخارج، ما يؤكد حرص القيادة على سلامة وأمن المواطن. المثير في الموضوع التكتم الذي أبداه المشتبه بهم، ولم يطلعوا القيادة على ما حدث، بل أبلغوها معلومات خاطئة. التعاطي مع هذه الحادثة ليس الهدف منه قطع الطريق على من امتهن تسييسها، بل أيضا لكشف الحقيقة على اعتبار أن الدولة لها موقف دائم ومعلن في اهتمامها بمواطنيها، وأنها لا تتردد في محاسبة المسؤول متى ما توافرت أدلة قاطعة تدينه. كنا نقرأ ونشاهد التعليقات والتكنهات والقفز على النتائج ومحاولة تشويه الحقائق من الجوقة والمرتزقة وعاشقي التصيد، ونستغرب هذا الاندفاع واستباق نتائج التحقيقات.

حملات متوالية، وبألوان طيف متلونة على بلادنا في الإعلامين التقليدي والإلكتروني، وممولة من أطراف وجهات معروفة؛ لتشويه مكانة المملكة، والمساس بقيادتها، ومحاولة تقويض المشروع الإصلاحي والتنموي، بدليل أنهم ضخموا قضية خاشقجي وصوروا لها السيناريوهات. اللافت رغم الضجيج وسخونة الأحداث وصخب الفبركات، ظلت المملكة على هدوئها فتجاهلت الأصوات الشاذة، وتعاونت مع السلطات التركية، وشددت على اهتمامها بقضية المواطن خاشقجي، واتخذت إجراءات واضحة لكشف الملابسات، وفتحت تحقيقا شفافا، وأعلنت التحقيقات الأولية، فهي لا تجامل في قضايا تمس أبناءها، ولا ترضى أن تحدث أفعالا تسيء للمملكة ومكانتها وقيادتها.

الدولة من حقها اتخاذ كل الوسائل المشروعة والممكنة لحماية استقرارها وأمن مواطنيها، وبالتالي تتخذ الإجراءات التي تراها مناسبة، وفي هذه القضية حيث وقعت على أرض سعودية، وكل الأطراف ينتمون للجنسية السعودية، فوفقا للقانون الدولي تتم محاكمتهم في بلدهم؛ حيث تتم إجراءات التحقيق عن طريق النيابة العامة، ويكونون موقوفين على ذمة التحقيق إلى حين الانتهاء من لائحة الاتهام، ومن ثم تحليهم إلى المحاكمة. ووفق القانون هؤلاء المتهمون أبرياء إلى حين تتم إدانتهم قضائيا، ولذلك فالدولة هنا تصبح طرفا، والمتهمون الطرف الآخر، وتبقى الكلمة الفصل للقضاء المستقل. ومن المعروف أن القانون الجنائي السعودي يشدد على توفير الضمانات للمتهم وحقوقه من الاستعانة بمحام وعلانية المحاكمات والتواصل مع أسرته…إلخ.

كما أن هناك درجات للتقاضي، فبعد صدور الأحكام الابتدائية تأتي بعدها مرحلة الاستئناف؛ حيث يحق لكل طرف الطعن في الأحكام الصادرة، ولمحكمة الاستئناف إقرار ما تراه. أما المحكمة العليا وهي محكمة موضوع، وتأتي في المرحلة الأخيرة، فتقوم بمراجعة الأحكام في هكذا نوعية من القضايا.

من المعروف أن الأحكام القضائية لها احترامها في كل دول العالم، سواء اتفقنا أو اختلفنا معها؛ لأن القضاء المستقل هو أساس العدل، وبالتالي ليس من باب الإنصاف الاستعجال في إصدار الآراء والأحكام الشخصية قبل صدور الأحكام القضائية.

لم يكتفِ الملك سلمان – رعاه الله – بإيقاف المتهمين وإحالتهم للعدالة، بل استشعر أن هناك ضرورة لإعادة هيكلة الاستخبارات بما يحقق أهدافها المنوطة بها. هي خطوة على الطريق الصحيح بعدما تبين أن هناك ضرورة لهذا الإجراء، ولعل التعامل مع هذه القضية كشف أن هناك خللا يستدعي التدخل والمعالجة، ولا سيما ونحن نتحدث عن جهاز بهذه الأهمية والخطورة؛ لما له من صلاحيات كبيرة، فضلا عن دوره الوطني ومهمته في حماية الأمن الداخلي. ثمة حاجة إلى تحسين سير وعمل هذا الجهاز المهم وتصحيح الأخطاء؛ حتى لا تتكرر مستقبلا، ما يعني مراجعة دقيقة لعملها، وتحسين منظومة أجهزتها.

قرارات الملك سلمان – وهو الذي لا تأخذه في الحق لومة لائم – تعكس حرصه على تطبيق القانون دون تفرقة، وحماية مواطنيه ومحاسبة المتورطين، ما يعزز موقعية المملكة ومحورية دورها. ترسيخ العدالة صورة من قصة تلاحم ما بين القيادة والمواطن، لا يمكن المساس بها، وستستمر مرحلة البناء والمسيرة لتحقيق التطلعات.

نقلا عن الرياض



التعليقات


ملاحظة:لايسمح بالتعليق بعد مرور48 ساعة على نشر المحتوى

1 - عبدالله الناصر / حائل
2018-10-23 09:50:04
الشعب طيب ومقالي بل استقنائي يريد الحياة الكريمه وحماية بلده ومقدساته بعيدآ عن المهاترات السياسيه البغيضه لقد تكيف الشعب مع حكومته حتى اصبح مضرب المثل العالم متوتر من هذا الوفاق والأتفاق الغريب ا
لا يعجبني(0) اعجبني(1)

أضف تعليق
كاريكاتير