الفكر والقراءة وشباب الديجتال!

الفكر والقراءة وشباب الديجتال!

رحل الكثير من مفكري العرب، ولم يدركوا حجم المتغيرات وتسارع الأحداث التي عمت أماكن متعددة في عالمنا العربي، ولو شهدوا شئياً من مجرياتها لانعكس ذلك بالتأكيد على طروحاتهم..

التقدم المعلوماتي والعلمي والتقني الذي يشهده العالم بشكل لم تعشه الأجيال الماضية مازال يراه البعض ما هو إلا رأس قمة الجليد وبداية مسار من علوم المستقبل وتقنية الإنسان الآلي والحاسوب وتقنيات النانو والتقنية الحيوية. يحضرني هنا كتاب مهم للمؤلف معالي د. نزار مدني حول المستقبل، وهو جدير بالاقتناء فالكاتب استشرف المستقبل جامعاً الطرح الأكاديمي والعلم التطبيقي ودمجهما بسلاسة وأسلوب شيق. الكتاب وثق بإحكام، وغني بالمصادر ومليء بالمعلومة والتحليل والأمثلة والتعليقات شارحاً الأساليب والتقنيات التي استحدثتها الدراسات المستقبلية ليمكنها من استكشاف المستقبل.

رحل الكثير من مفكري العرب ولم يدركوا حجم المتغيرات وتسارع الأحداث التي عمت أماكن متعددة في عالمنا العربي ولو شهدوا شئياً من مجرياتها لانعكس ذلك بالتأكيد على طروحاتهم، وهم الذين قد عاصروا مراحل مفصلية في تاريخنا بدءاً بالاستعمار والمد القومي والانقلابات العسكرية والصراع العربي – الإسرائيلي، والحرب الباردة ما بين المعسكريْن الرأسمالي والشيوعي وإفرازات العولمة وعالم ما بعد الحداثة. كانت جهود المفكرين وغيرهم تدور حول إعادة توهج حضارتنا، فطرحوا حلولاً للوصول إلى النهضة. حملوا شعاراً وهو حلم مازال قائماً بطبيعة الحال وإن كان بصورة مغايرة، وذلك من خلال مفاهيم وتصورات، إما على شكل مشروع فكري أو رؤية فلسفية أو بحث ممنهج لتأسيس خارطة طريق.

تزامن مع هذا التفجر المعلوماتي عزوف الشباب عن القراءة فكان إحدى بصماته، وأصبح التوجه للقراءة نادراً وليس مشجعاً لا سيما الجيل الجديد الذي لم يعد له أي اهتمام واضح بالثقافة والقراءة والمطالعة إلا ما ندر. الدليل على ذلك تستشفه من عدم قدرته على التفكير العميق والتحليل الموضوعي وهشاشة المعرفة والثقافة بكل اتجاهاتها، وإن كان متمكناً بالتعاطي التكنولوجي. التوجهات الجديدة سلبت الشباب من الكتاب إلى وسائل التكنولوجيا المعلوماتية ووسائط التواصل الاجتماعي. لم يعد يحافظ على القراءة الجادة إلا من تعود على أجوائها وعوالمها قبل الغزو المعلوماتي والتقني الذي قلب المعادلة رأساً على عقب. هناك أزمة قراءة وثقافة وقد باتت ملموسة وتعكس معاناة الشباب العربي تحديداً خصوصاً أن المجتمع الذي ينتمي إليه تعرض لسيل من الوسائل التكنولوجية المعلوماتية المتنوعة ومغريات مواقع التواصل الاجتماعي ما جعل المنافسة غير متكافئة إن أردنا الحقيقة وبالتالي لم يعد بمقدور عادة المطالعة والقراءة الوقوف أمام ألوان المتعة والإثارة والتشويق التي جاءت وحفلت بها تلك الوسائل.

ثمة مشروعات فكرية سعت للتنوير ولقامات أثرت الساحة. كان منهم من ينادي باستيعاب الفارق المهول بين العرب والغرب من حيث المسافة التاريخية وكيفية استيعابها، وشددوا بأن خارطة الطريق لا بد أن تكون متزامنة بتنوير فكري وتطوير تقني وإصلاح للخطاب الديني؛ ليكون متسقاً مع التحولات المجتمعية، مدللين بذلك على مسار النهضة الأوروبية التي استطاعت أن تنتقل للديمقراطية بالتمرد على عقلية القرون الوسطى آنذاك. في حين أن آخرين يعتقدون أن المعضلة تتعلق بنقد وتكوين وبنية العقل العربي. كثيرون يشعرون بأننا كعرب مازلنا عاجزين على المنافسة، إلا أنه من باب الإنصاف يجب أن نعترف أن ثمة محاولات كانت قد ظهرت في النصف الأول من القرن العشرين ومازالت لتحرير العقل العربي من كل القيود. البعض يرى أن جيل الإعلام الجديد لم يتأثر بما طرحه أولئك الكبار، ولم يأخذ مما نهله الجيلان السابقان: أصحاب التحرير الوطني وأبناء المد القومي. وقد يثور تساؤل هنا عن قدرة تلك الطروحات الفكرية في شحذ الشاب العربي ودفعه للإبداع طالما أن جيله الذي ينتمي إليه لا يعرف القراءة الجادة.

غير أن السؤال الحارق وهي مفارقة بكل تأكيد: هل يستوعب شباب الديجتال كل ما صنعه الرواد والكبار في ظل سهولة توفر المعلومة؟ وهل بإمكان الجيل الحالي من مواكبة الجديد المدهش في الوقت الذي يغرف فيه من ماعون القراءة؟ وهل بمقدور القراءة الرصينة خلق جيل قادر على المواءمة ما بين علوم المستقبل واكتساب القدرة الفكرية والثقافية وبما يحقق الاستفادة من مبتكرات العقل البشري ويُهذب جموحه العلمي؟ أسئلة كبيرة ومريرة لا نملك إجابتها، ولعل الزمن الكفيل بذلك على أي حال!.

نقلا عن الرياض