متى تستعيد سوق العقار نشاطها؟ وبأي شروط؟

متى تستعيد سوق العقار نشاطها؟ وبأي شروط؟

يمكن اختصار ما تمت الكتابة حوله في المقال السابق “أين تقف سوق العقار؟ وإلى أين تتجه؟” في أنّ سوق العقار خضعت لإصلاحات كبيرة خلال الأعوام الأخيرة، استهدفت انتشالها من سيطرة التشوهات “الاحتكار، والمضاربة”، والانتقال بها من مجرد امتصاص ثروات وموارد الاقتصاد والمجتمع، ومن مجرد تضخيم أسعار أصولها المختلفة، دون أن ينعكس ذلك إيجابا على الاقتصاد الوطني، لإعادتها إلى الطريق التي تخدم التنمية الشاملة بشكل عام، والاقتصاد الوطني بشكل محدد.

صحيح أن الأسعار المتضخمة لمختلف الأصول العقارية، شهدت انخفاضات ملموسة خلال الفترة 2014-2018، راوحت بين 30 في المائة للأراضي والفلل السكنية إلى 19 في المائة للشقق السكنية، بمعنى زوال ما بين ثلث الأسعار المتضخمة إلى خمسها المتضخم من قيم تلك الأصول العقارية، إلا أنّه لا يمكن مقارنته برالي التضخم القياسي في الأسعار، الذي شهدته تلك الأصول خلال فترة سبقتها 2006-2014، لا على مستوى الأسعار السوقية، ولا حتى على مستوى تكلفة إيجارات الاستخدامات السكنية أو التجارية، أظهرت البيانات الإحصائية تصاعدها السعري الكبير بين الضعف إلى ثلاثة أضعاف، وبعضها وصل إلى أعلى من ذلك في بعض المناطق الرئيسة المكتظة بالسكان ووجود الطلب المرتفع على الإسكان.

ولهذا لا تزال شرائح واسعة من أفراد المجتمع، تواجه تحديات كبيرة على مستوى القدرة على تملك أرض أو مسكن، نتيجة عدم وصول الأسعار إلى المستويات الملائمة لهم، وفقا لمستويات الدخل أو وفقا لقدرتهم الائتمانية، ولهذا لا تزال السوق العقارية تواجه ركودا طويلا، أكمل عامه الرابع على التوالي داخلا عامه الخامس، وماذا يعني كل ذلك خلال الفترة الراهنة ومستقبلا؟ يعني بداية؛ أنّ عودة النشاط الحقيقي إلى السوق العقارية في ظل الظروف الراهنة اقتصاديا وماليا واجتماعيا، وأمام توقعات ارتفاع معدلات الفائدة، وفي ظل مستويات الدخل الراهنة لأفراد المجتمع، عدا الانخفاض المستمر في أعداد السكان غير السعوديين، في الوقت ذاته الذي تشهد فيه السوق ارتفاعا مطردا في أعداد المساكن الشاغرة “الجديدة، أو التي يتم إخلاؤها”، إضافة إلى التماسك الإيجابي للسياسة المالية بالدرجة الأولى، القائمة على الترشيد والانضباط المالي في الإنفاق، والسياسة النقدية بالدرجة الثانية، التي اندفعت بشكل جاد نحو مزيد من تنظيم وتقييد القروض الاستهلاكية والعقارية على حد سواء، بما يكفل حماية أكبر للقطاع التمويلي وأفراد المجتمع معا، ويُضاف إليه ترقّب تطبيق المراحل التالية من نظام الرسوم على الأراضي البيضاء، الذي بدأ في مرحلته الأولى تطبيقا على الأراضي الخام غير المطورة، ليشمل لاحقا حتى الأراضي المطورة. أمام كل ما تقدّم ذكره من متغيرات وتطورات، المؤكد أنّ عودة النشاط الحقيقي إلى السوق العقارية، ليس له أن يتحقق إلا من خلال استمرار الانخفاض في الأسعار السوقية التي لا تزال متضخمة جدا، وتفوق مستوياتها المرتفعة قدرة دخل أغلب الأفراد والأُسر، كما تفوق حتى قدرتهم الائتمانية بالحصول على القروض العقارية اللازمة.

تشهد السوق العقارية خلال الفترة الراهنة، عديدا من التطورات الإيجابية التي قد لا تجذب الاهتمام أو الانتباه أحيانا، أو قد يغلفها نوع من التضليل الإعلاني قبل أن يكون إعلاميا، لعل من أهمّ تلك التطورات؛ ما تشهده السوق العقارية من زيادة كبيرة في عمليات تطوير وإحياء مساحات شاسعة من الأراضي السكنية، وهو ما كان شبه غائب طوال عقود سبقت إقرار نظام الرسوم على الأراضي البيضاء، وقريبا ستخضع تلك الأراضي حتى بعد تطويرها للمرحلة الثانية من نظام الرسوم على الأراضي، ما سيؤدي إلى زيادة عمليات البناء والتشييد كخيار أول، أو إلى ضخها في جانب العرض بيعا لمن لديه القدرة على بنائها وتشييدها من الشركات أو الأفراد، وكلا الخيارين يحمل في نتائجه كثيرا من الإيجابيات.

فالقيام بالبناء والتشييد كمنتجات سكنية متنوعة، تناسب فعلا احتياجات الأفراد والأُسر، وتحت مظلة شهادة الاستدامة، في الوقت ذاته الذي تشهد فيه سوق الإسكان توافر أكثر من 23 في المائة من المساكن كمساكن جديدة وشاغرة، يعني زيادة في الخيارات أمام الطلب، ويعني زيادة في المعروض من المساكن الجديدة الملائمة، الذي سيؤدي أمام ثبات مستويات الدخل والقدرة الائتمانية للأفراد، إلى مزيد من انخفاض أسعارها السوقية، وصولا إلى تلك المستويات المحددة لدخل غالبية الأفراد! وكذلك الحال بالنسبة إلى زيادة المعروض من بيع الأراضي المطورة المهيأة للبناء والتشييد، في حال قام ملاكها بضخها في جانب العرض، كل هذا سيؤدي أيضا إلى مزيد من الانخفاض في الأسعار السوقية، والجيد هنا أنّ الانخفاض سيأتي أكبر، مقارنة بالانخفاض القائم في أسعار المنتجات السكنية الجاهزة الآن للبيع، ما سيؤدي بدوره إلى زيادة تسارع حلقة تراجع الأسعار، على العكس مما كانت عليه خلال أعوام مضت، ممثلا في دخولها حلقة تصاعدية للأسعار.

كما أنّ ما تشهده السوق العقارية من ارتفاع في عمليات تصفية كثير من المساهمات العقارية، التي تنتهي ببيعها بأكثر من 70 في المائة إلى 80 في المائة على المساهمين فيها “عمليات تسوية”، وعدم قدرتها على استقطاب سيولة جديدة من خارج السوق العقارية، يؤكّد أنّ الأمور تسير في الاتجاه الصحيح، وأنّ السوق العقارية تتخلّص بمعدلات أسرع مما كان متوقعا من التشوهات العتيقة “الاحتكار، والمضاربة”، وهو ما يعزز من الضغوط السعرية على الأصول العقارية المختلفة.

وهو ما أصبح معلوما لدى أغلب أفراد المجتمع، رغم ما قد تتزامن معه عمليات تصفية تلك المساهمات العقارية من “بروباجندا” إعلامية وإعلانية، سواء على مستوى قصر وقت إنهاء تلك المساهمات، أو على مستوى الأسعار المبالغ فيها التي تنتهي إليها، كون أغلب المشترين هم أنفسهم المساهمين! ختاما؛ يجب التأكيد على أن السوق العقارية تخضع للإصلاحات، وللعوامل الاقتصادية والمالية الراهنة، وسواء استجابت طواعية أو مرغمة، فالأهم أنّها تتحول تحت مظلة تلك الإصلاحات، إلى سوق أكثر كفاءة وشفافية، وأكثر خدمة للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وتدريجيا ستشهد السوق العقارية تعافيها وتنامي نشاطها المتعقّل، المرتبط أكثر بما يعزز من النمو الاقتصادي واستقراره، وبما يلبي احتياجات أفراد المجتمع، لا بما يوافق رغبات ملاك الأراضي والعقارات، وهو المحور الأهم بكل تأكيد.
والله ولي التوفيق.

نقلا عن الاقتصادية

التعليقات مغلقة.

3 تعليقات

  • 3
    غير معروف

    اسطر طويلة عريضة ** مع شوية شعبوية وعنصرية النتيجة صفر وضيق افق وانعدام رؤية وانانية وعناد والله المستعان

  • 2
    المستخبي

    أخي عبدالحميد : تدري اني لا اتعب فكري لتحليل آرائك لان الوقت هو من ينفيها بصراحه فقط انتظر ليثبت لي ان كلامك غير دقيق وسلامتك .

  • 1
    غير معروف

    بصراحة ، مع الأسف ، تحليلاتك سطحية .