في الفعل الإنساني.. لغز الهجوم والمقاومة

في الفعل الإنساني.. لغز الهجوم والمقاومة

مفاهيم إرادة القوة لا يمكن أن تتشكل إلا من ثنائية وهي الحد الأدنى لها؛ أي أنها هجوم ومقاومة، فعل ورد فعل. الحقيقة أن الأمر هنا يتعلق بطبيعة الإرادة وتوجهها من حيث إنها إيجابية أو سلبية، وبالتالي هي متفاعلة في كلتا الحالتين..

الحضارات واحدة، والثقافات متنوعة، وبعبارة أخرى فإن الحضارة ما هي إلا تجسيد لعمارة الإنسان لهذه الأرض، ولذلك فهي متصلة ومتسلسلة ومتواصلة، في حين أن الثقافة عادة ما تكون متعددة ومتنوعة تبعاً للظروف والمعطيات. الثقافة في حالة من التوتر تجاه بعضها بعضا، كما نرى في التوتر الآني – على سبيل المثال – بين الإسلام والغرب كثقافتين مختلفتين. وإن كان اختلافنا على الحقيقة أساسه اختلاف الناس فيما بينهم، والتحولات والمتغيرات، التي تحدث أمامنا أو نشهدها، ما هي في واقع الأمر سوى نتيجة للفعل الإنساني، فالفكر وليد الواقع، وهو الذي قاد التحولات الكبرى في الحضارة الإنسانية.

هنا تجد أن “غاية الحقيقة تتعلق بالتأثير في مجال الفكر وفي مجال العمل على حد سواء. هذا الارتباط بين الحقيقة والمنفعة يجعلها مقياسا للحقيقة، ما يعني أنها نسبية؛ أي أن ما ينفع البعض، يلحق ضررا بالبعض الآخر”.

إن كانت الحضارة أسلوب حياة وعيش وفق توصيف المهدي بن عبود، فإن الثقافة أسلوب تفكير، “فالثقافة بالنسبة للحضارة كالروح بالنسبة للجسد، والحضارة بالنسبة للثقافة كالمظهر بالنسبة للجوهر”. ولذلك تقدم أي شعب من الشعوب يمكن قياسه بمقدار فاعلية حركة الوعي والثقافة في تركيبته المجتمعية، ما يعني فهم قوانين الحياة.

من الطبيعي أن الإنسان هو منطلق التنمية وغايتها، ولذلك تتبلور الحداثة وتتشكل النهضة من خلال جهده، آخذين في الحسبان البعدين العقلاني والأخلاقي فيه لتفجير طاقاته، وهذا يتسق مع ما سبق أن قاله الفيلسوف كانط بأن الثقافة ما هي سوى “مجموعة من الغايات الكبيرة، التي يمكن للإنسان تحقيقها بصورة حرة وتلقائية انطلاقا من طبيعته العقلانية”.

إذن الإنسان بطباعه وخصائصه وسلوكه وكينونته رهين تدفق إرادته، ومع ذلك كل إنسان يعيش صراعا ذاتيا ما بين طموحاته وشهواته. ولعل ما يرجح هذا الرأي ما قاله الفيلسوف نيتشه من أن كل ظاهرة في العالم هي – على الأقل – علاقة بين قوتين: إحداهما تهاجم والأخرى تقاوم، وكلتاهما تدخلان في صراع معا.

هذا الصراع يؤثر في بقية القوى الأخرى كافة، فمفاهيم إرادة القوة لا يمكن أن تتشكل إلا من ثنائية وهي الحد الأدنى لها؛ أي أنها هجوم ومقاومة، فعل ورد فعل. الحقيقة أن الأمر هنا يتعلق بطبيعة الإرادة وتوجهها من حيث إنها إيجابية أو سلبية، وبالتالي هي متفاعلة في كلتا الحالتين، بدليل ما تفرزه من تأثير في القرار، وبالتالي اتجاهها هو الذي يقرر نجاحك من عدمه.

قيل سابقا إن العالم في حقيقته ما هو إلا إرادة، بمعنى أن يكون متخماً بالعذاب والألم. فالإرادة لا تعني سوى الرغبة، أو كما رآها وول ديورانت، كالصدقة التي ندفعها للفقير تغنيه عن الجوع اليوم ليواجه الفقر والبؤس غداً، أي يتعذر إشباعها. شوبنهور أشار في أحد كتبه إلى أن شخصية الإنسان تكمن في إرادته، يقول «إن زيادة المعرفة مثلًا في الإنسان تؤدي إلى زيادة آلامه، كما أن ذاكرة الإنسان وبعد نظره يزيدان في آلامه؛ لأن الشطر الأكبر من آلامنا كامن في تأمل الماضي أو في التفكير فيما سيقع في المستقبل».

من الواضح أن الصورة الأكثر شمولية لإرادة القوة هي صراع قوى: صراع بين إرادة إيجابية، وإرادة سلبية، ومن ينتصر يضع شروطه. ولو أردنا وصف ما يحدث لكل قوة من خلال هذه العلاقة، فإننا نقول إن كل قوة تبسط هيمنتها وتسلطها على القوى الأخرى في الوقت نفسه، الذي تقوم فيه القوى الأخرى بمقاومة هذه القوة. فكل تنازع داخل ذات الإنسان يجب اعتباره تعبيرا عن مباراة بين طرفين أو أكثر، وصراع قوى بعضها ضد بعض. والشيء نفسه يصدق على العالم – كما يرى نيتشه – فهو ليس إلا عالما من علاقات القوى.

قوانين الحياة ما بين إرادة إيجابية تدفع الإنسان في اتجاه النجاح، أو إرادة سلبية تقوده نحو الفشل، وكأنها في الحالتين تضعه في المكان الذي يستحق… أليس كذلك؟

نقلا عن الرياض