رابحون وخاسرون من تصحيح اختلالات الاقتصاد

رابحون وخاسرون من تصحيح اختلالات الاقتصاد

كما أن لتصحيح وإصلاح اختلالات أي اقتصاد حول العالم ضحايا وخاسرين “منشآت، وأفرادا”، فإنه يوجد في المقابل رابحون ومستفيدون “منشآت، وأفرادا” كنتيجة لتلك الإصلاحات، ومع مضي الزمن وترسخ ركائز التجديد والإصلاح الاقتصادي، سترى أن أعداد الخاسرين تتناقص تدريجيا إلى أن تختفي أرقامهم، وترى في مسارات أخرى تنامي أعداد الرابحين والكاسبين إلى المرحلة التي تتجاوز أعدادهم أعداد الخاسرين، بل سترى في الأجل الطويل أن تنامي عددهم وحجمهم، قد تجاوزت دائرته ووزنه الاقتصادي والمالي والتجاري جميع المواقع التي كانت مشغولة بتلك المنشآت أو الأفراد ممن خسروا وجودهم.

هذا ليس تنظيرا كما قد يراه من سقط في طريق الإصلاحات الراهنة، التي يجري العمل على تنفيذها في طول وعرض الاقتصاد الوطني، ولا يمكن أن يكون كذلك بالنسبة لمن وصلت نداءات استغاثته لإنقاذ منشأته من النهاية الحتمية، نتيجة للتغيرات الجذرية التي يخضع لها في الوقت الراهن الاقتصاد الوطني! وفي الحقيقة ليس شرطا أو مطلوبا من ملاك تلك المنشآت أن تحظى هذه الفرضية بالقبول أو الاعتراف من قبلهم، فهو أمر لا يقدم أو يؤخر في ميزان المكتسبات التي سيحظى بها الاقتصاد الوطني في الأجلين المتوسط والطويل، بقدر ما أنه مهم جدا لرواد الأعمال والمبتكرين الحقيقيين، الذين تعني لهم هذه الإصلاحات والتحولات الهيكلية والاقتصادية الكثير، لما تحمله لهم من إيجاد لفرص استثمار واعدة جدا، يجب ألا تغيب عن ناظرهم، ولا حتى أن تفوت رؤيتهم الطموحة نحو تطوير وتحسين مشاريعهم الاستثمارية. ومع أن واقع الإحصاءات الرسمية يظهر خلال الفترة الراهنة؛ توقف نشاط عدد من المنشآت، فإن الإحصاءات ذاتها تظهر أيضا ولادة أعداد لا يستهان بها في بيئة الأعمال المحلية، وحسبما أظهرته بيانات المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية حتى نهاية الربع الثالث من عام 2018 مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، من توقف نشاطات نحو 10.9 ألف منشأة تركزت في نشاطات اقتصادية بعينها توزعت أكبرها على النحو الآتي: 69.9 في المائة منها في نشاط التشييد والبناء، ونحو 15.5 في المائة في نشاط البريد والاتصالات السلكية واللاسلكية، ونحو 12.3 في المائة في نشاط الصناعات التحويلية. فإنها أيضا؛ أظهرت ولادة أكثر من 3.8 ألف منشأة جديدة خلال الفترة نفسها ، تركز وجودها في نشاط التجارة بنسبة 50.9 في المائة، ونحو 48.9 في المائة في نشاط الخدمات الجماعية والاجتماعية الأخرى.

وحينما تمعن النظر في تلك التغيرات اللافتة جدا من حيث تبويب الكيان القانوني لمنشآت قطاع الأعمال لدينا، ستظهر الإحصاءات الرسمية تركز توقف أنشطة المنشآت على المؤسسات الفردية بنسبة وصلت إلى 99.8 في المائة! في المقابل تظهر ذات الإحصاءات تركز الزيادة على الشركات ذات المسؤولية المحدودة بنسبة وصلت إلى 96.1 في المائة، ثم على شركات التضامن بنسبة 1.9 في المائة، وأخيرا الشركات المساهمة بنسبة 1.2 في المائة، وهي الأنواع الكيانات القانونية التي تقوم بتوظيف أكثر من 4.3 مليون عامل “48.7 في المائة من إجمالي العمالة في القطاع الخاص”، وتتمتع بارتفاع نسب التوطين فيها مقارنة بغيرها من الأنواع القانونية الأخرى لمنشآت القطاع الخاص، في المقابل ستجد أن المؤسسات الفردية التي شكلت نحو 99.8 في المائة من المنشآت التي توقفت نشاطاتها، رغم أنها تستوعب نحو 4.4 مليون عامل، إلا أنها في الوقت ذاته كانت الأدنى نسبة توطين مقارنة بغيرها من المنشآت ذات الكيان القانوني المختلف، وهو أمر مفهومة أسبابه، لعل من أهمها عدم رغبة العمالة الوطنية العمل فيها لعدم استقرارها، ولعدم توافر المستوى الجيد للأجور والمزايا المحفزة لهم للعمل في تلك المنشآت الفردية، في الوقت ذاته الذي كانت البيئة الأفضل لاستقدام العمالة الوافدة بأعداد كبيرة جدا، عدا أنها تحولت تلك المنشآت الفردية وأغلبها تعمل نشاطي التشييد والبناء والبيع بالتجزئة، إلى أكبر وعاء لانتشار أشكال التستر على العمالة الوافدة، وكان من الطبيعي جدا أن تجد صعوبة بالغة في التكيف مع التحولات والإصلاحات الاقتصادية الراهنة.

ولا غرابة بعدئذ أن تجد أمام هذه التحولات المهمة في قطاع الأعمال، مغادرة أكثر من 1.5 مليون عامل وافد، في الوقت ذاته الذي لم يتم إحلال وظائفهم بعمالة وطنية! ولا يمكن أن يحدث زيادة في توطين الوظائف إلا عن طريقين رئيسين:
الأول: بإحلالهم في الوظائف المشغولة بعمالة وافدة في المنشآت الأكثر استقرارا، والأعلى أجورا ومزايا للعاملين.
الثاني: عبر تشجيع وتمكين المنشآت الجديدة القائمة على المنافسة والابتكار والتنويع الإنتاجي، وإمكانية توليدها مئات الآلاف من الوظائف أمام المواطنين والمواطنات.

الطريق طويل جدا، ويحمل بكل تأكيد كثيرا من التحديات والآلام والصعوبات، إلا أنه الطريق الوحيد للخلاص من هيكلة اقتصاد وحيد الدخل، ومعتمد بدرجة كبيرة على الحكومة كأكبر مصدر للإنفاق وللتوظيف، ومن ظن حتى بنسبة 1 في المائة، أن طريقا للإصلاح والتطوير والتحديث سيكون عبوره خاليا من أي آلام وضحايا، فإنه بكل تأكيد مخطئ جدا، وسيكون خطؤه أكبر وأفدح إن ظن كذلك أن الطريق نفسه لا يحمل أي مكاسب أو فوائد، بل على العكس تماما كما أثبتته الإحصاءات الرسمية المشار إليها أعلاه، وأنها مكاسب وفوائد ستتعاظم تدريجيا مع الزمن، ومع القضاء التدريجي للتشوهات التي كانت تستوطن جسد الاقتصاد الوطني، ومع التنامي والاتساع لإيجاد الفرص الاستثمارية الواعدة محليا، كان أكبر عائقا أمام السماح بوجودها متمثلا في تلك التشوهات الهيكلية في الاقتصاد. قد يكون المشهد العام خلال المرحلة الراهنة، أننا نرى ثلاثة خاسرين مقابل رابح واحد “نسبة 10.9 ألف منشأة متوقفة، أمام 3.8 ألف منشأة جديدة”، إنما العبرة بأمرين: أولهما أن من خسر كان يأخذ أكثر مما يعطي للاقتصاد “تستر عمالة، غش تجاري، عدم تنويع لقاعدة الإنتاج، ضعف مساهمة في القيمة المضافة، تحويلات هائلة للخارج، تدني توطين”، في المقابل سيكون أثر المنشأة الجديدة أكبر وأهم للاقتصاد الوطني بكل تأكيد، كونها تختلف جذريا عن تلك التي غربت شمسها.

الأمر الآخر: أن تقدم خطوات الإصلاح زمنيا، سيعني تراجع أعداد الخاسرين، وزيادة مطردة في أعداد الرابحين، لتأتي المرحلة التي تبشر بولادة ثلاثة رابحين مقابل خاسر واحد، ولن تتوقف عند هذا الحد بل سنصل بمشيئة الله تعالى إلى الوضع الطبيعي المحكوم بالمنافسة والابتكار، الذي تتوالد وتختفي خلاله المنشآت دون أي أضرار على الأداء الاقتصادي.
والله ولي التوفيق.

نقلا عن الاقتصادية