هل حان وقت انحسار الركود؟

هل حان وقت انحسار الركود؟

من يعتقد أن الركود الاقتصادي هو حصيلة السياسات الاقتصادية الحالية هو واهم ولا يريد أن يرى الواقع والتاريخ المالي الذي استمر لسنوات رهينا لبيع النفط ولا شيء غير النفط، وكأن اقتصادنا دكان نأكل مما نبيع آخر النهار فإذا ازدهر السوق أكلنا وشربنا ولبسنا وأهدينا، وإذا تراجع تحفظنا ماليا وأوقفنا المشاريع والصرف.

هذا تاريخ لا يمكن إنكاره منذ ارتفاع أسعار النفط بداية السبعينات الميلادية إلى القفزة الكبيرة بداية الثمانينات ثم تراجع ثم ارتفاع في دوامة لا تنتهي لليوم، هكذا عشنا وهكذا يريدنا أن نعيش المؤمنون بنظرية الاقتصاد التقليدي.

ما حصل هو أن السياسات الاقتصادية الجديدة كانت عميقة وصارمة وسريعة جدا، ربما لم يفهمها البعض، ربما تفاعل معها البعض، وربما قاومها البعض، لكنها كانت ضرورة ملحة كشفت عوار الاقتصاد وعرته بعدما كان متغطى بثوب الدولة، اقتصاد طفيلي يعيش على مناقصات ومشاريع حكومية.

كما أن هذه السياسات ليست قرآنا مقدسا لا تحتمل المراجعة، بل إننا لاحظنا أن المسؤولين عنها دائما يعلنون أن هناك تقويما مستمرا يصلح ويراجع ويؤخر ويلغي أحيانا، فهي رؤية بشرية تحتمل التطوير وتقبل به.

أما كيف كان الاقتصاد يعمل فقد كان محاصرا في مربع المناقصات الحكومية، موظف الشركة مكلف بمراجعة الصحف اليومية يتابع المناقصات يشتري الكراسات يسعر المناقصة يضع الأسعار يفوز بها، ينتهي المطاف بصاحب الشركة وقد أصبح مقاولا أو تاجرا كبيرا في انتظار مناقصة جديدة وربح وفير.

بعدما أعادت الحكومة هيكلة الاقتصاد، وبدأت في تنفيذ سياسات تنويع المداخيل، ودفع رجال الأعمال لبناء اقتصاد حقيقي يعتمد على الابتكار والتطوير والمبادرة، وجدنا انسحاباً وانهياراً للشركات والمؤسسات في انتظار أن تقوم الدولة مرة أخرى بتشبيك المغذيات وطرح المناقصات و«تلزيم» الشركات المشاريع.

فهل مشكلتنا اليوم هي مشاريع ورسوم، أم أنها صدمة الفطام التي اجتاحت اقتصاداً اعتاد على تلقيم المال دون جهد يذكر طوال سبعين سنة وأكثر، ألا نتذكر أن كل النصائح الاقتصادية كانت تدعو إلى مغادرة منطقة الاقتصاد الريعي النفطي والذهاب إلى اقتصاد ما بعد النفط، هل نسيناها فجأة.

لا شك أن الخطط والبرامج التي وضعت كانت تهدف إلى الانتقال السريع لذلك النوع من الاقتصادات النافعة، ولأن تغيير المحركات سيعطل المكينة لفترة أو يبطئ من عملها، إلا أنه كان ضرورياً لبقائها للعقود القادمة صلبة وقوية وقادرة على تحمل تكاليف حياتنا.

السؤال الكبير يقول: هل نحن قادرون على فاتورة العلاج الاقتصادي؟.

لا شك أن المراجعات التي تقوم بها الحكومة والتي وعدت بها عند طرحها للرؤية وبرنامج التحول الوطني فيها من المرونة ما يفتح الباب لإعادة المراجعة الزمنية والمشاريعية، بحيث إن ما كنا نريد إنجازه في خمس سنوات يمكن يمتد إلى عشر سنوات.

نعم نحن في حاجة لإيقاف هذا الركود الذي قد يصل إلى مرحلة الكساد الكبير لا سمح الله، وهو تحد تشترك فيه مؤسسات القطاع العام والخاص على حد سواء، وعليهما الوصول إلى نقطة عمل مشتركة، لأن انتظار أن تهبط علينا الحلول من السماء أمر مستحيل ويعني بكل بساطة غرق الاقتصاد في ثقب أسود لا قرار له.

هل أخطأ رجال الأعمال في مرحلة ما ؟

نعم.. لأنهم استسلموا ورفضوا المبادرة وانسحبوا من المشهد رغم أن الاقتصاد في فكرته الأساسية مبني على المتاجرة والمغامرة والجسارة، وليس الإرضاع المالي، الخطأ الثاني تمثل في كثافة التحويلات المالية غير المبررة للخارج مما استنزف العملة الصعبة، الحل يكمن في عودة روح المبادرة، استدعاء الأموال المخزنة في عواصم العالم، الاكتفاء بأرباح أقل وتشغيل أعلى.

نقلا عن عكاظ