الرئيسية / شخصيات تاريخية مشكوك فيها

شخصيات تاريخية مشكوك فيها

شخصيات تاريخية مشكوك فيها

بقلم : فهد عامر الأحمدي

مشكلة التاريخ أنه (انتهى) ويصعب الجزم بصحته.. يتضخم حول أكاذيب تكتسب رسوخاً وقدسية بمرور الزمن.. يُكتب بعد وقت طويل من انتهائه بيد طاغية منتصر أو مؤرخ مؤدلج.. يعيش لقرون وقرون حتى يصعب فصل الحقيقة عن الخيال والمبالغة عن الواقع..

حين تتأمل الشخصيات التاريخية تجد فيها مبالغات تتأرجح بين 1% إلى 100% بالمئة.. وهذا يعني أن هناك شخصيات حقيقية، وشبة حقيقية، وغير حقيقية على الإطلاق…

نبينا محمد – صلى الله عليه وسلم – والخلفاء الراشدون مثال لشخصيات حقيقية نتفق حولها ولا نحتاج لإعادة تأكيدها..

أما عنترة بن شداد، وسيف بن ذي يزن، وجميل بثينة، فشخصيات (شبة الحقيقية) يزخر بها تراثنا العربي.. فهناك بالفعل أشخاص يحملون هذه الأسماء ولكن أضيفت إليهم أساطير مبالغات خارقة للعادة مثل تغلب عنترة على جيش من آلاف فارس، أو قدرة زرقاء اليمامة على الرؤية من مسيرة ثلاثة أيام..

أما القسم الثالث فشخصيات مختلقة وغير حقيقية مثل خولة بنت الأزور، وعلاء الدين، والسندباد البحري ناهيك عن كافة الشخصيات المذكورة في ألف ليلة وليلة..

ومن الشخصيات الحقيقية التي أضيفت إليها مبالغات أسطورية ملك حمير سيف بن ذي يزن الذي حارب الأحباش وطردهم من اليمن.. غير أن سيرته كتبت متأخراً (في القرن الثالث عشر الميلادي) وأضيفت إليها الكثير من الخرافات والصفات الأسطورية ناهيك عن الادعاء بأن والدته من ملوك الجن وأنه اختفى في عالمها في آخر عمره.. والشيء نفسه ينطبق على عنترة بن شداد وجميل بثينة والزير سالم الذين لم تحك الأساطير حولهم فقط، بل وظهرت بأسمائهم قصائد مقلدة ومنحولة..

أما المجموعة الثالثة فشخصيات خيالية وغير حقيقية ولكن كثرة تداولها أوحى بوجودها.. فخولة بنت الأزور مثلاً (التي كنا ندرسها في كتب التاريخ) شخصية وهمية ورد اسمها لأول مرة في كتاب فتوح الشام.. وهو كتاب وضعه شخص مجهول بعد 900 عام من حروب الردة ومنه انتشرت سيرتها في الكتب فأصبحت ترد من عدة مصادر.. ولكن الحقيقة هي أن كتاب فتوح الشام هو المصدر الأول لها وينسب زوراً للإمام الواقدي (وهو من الكتب التي حذر منها العلماء).. وما يرجح هذه الحقيقة أن كتاب الإصابة لابن حجر، وأسد الغابة لابن الأثير، والاستيعاب لابن عبدالبر، وتاريخ ابن عساكر وكثير من كتب السير المعتمدة لم تذكر اسم خولة بنت الأزور نهائياً (فابن حجر مثلا تحدث عن 28 صحابية جليلة في زمنها، وعن وجود ثلاثة أُخوة ذكور للصحابي ضرار بن الأزور دون أن يذكر أن له أختاً باسم خولة)!!

… والعجيب أكثر أن حتى الشخصيات الروائية وأبطال القصص المحكية قد يتحولون في ذاكرة الشعوب إلى شخصيات حقيقية.. ففي جزيرتنا العربية مثلاً مايزال البعض يصدق بوجود السعلوة أو الغولة أو المرأة الشيطانية التي تختطف الناس وتأكلهم.. وفي العراق يصدق البعض حكاية السندباد البحري مع صديقه حسن (وتوجد حتى اليوم جزيرة في شط العرب تدعى جزيرة سندباد يعتقد أنها التي استقر فوقها قبل أن يكتشف أنها ظهر حوت حمله للبحر).. وفي مصر يعتقد كثير من الناس أن “الشاطر حسن” شخصية حقيقية وأنه كان يقف ضد الوالي لمصلحة الفقراء والمساكين (وكلمة شاطر نفسها تعني اللص أو حرامي)…

على أي حال؛

تصنيف الشخصيات التاريخية بين حقيقية، وغير حقيقية، ومبالغ فيها موجودة في جميع الأمم والثقافات؛ فالإنجليز مثلا مايزالون مختلفين حول وجود أو عدم وجود الملك آرثر وروبن هود وشرلوك هولمز.. والشعوب الأوروبية بأكملها مازالت مختلفة حول أصل بابا نويل وما إن كان أنبياء الله قبل عيسى شخصيات حقيقية.. أما أميركا فبحكم أنها أمة حديثة مازالت تفبرك شخصياتها الخيالية بدليل الخلافات الخجولة حول روكي بالبلو وألفيس بروسلي وأميليا إيرهارت بل وحتى رامبو الذي يدعي البعض أنه بطل حرب حقيقي عاد إلى فيتنام لإنقاذ رهائن مازالوا هناك..

المهم عندي أن تملك أنت موهبة النقد والتمييز بين الحقيقة والأسطورة والمبالغات الخارقة للعادة ..

نقلا عن الرياض



كاريكاتير
X