هذه هي الحقيقة وإن رغمت أنوف المؤدلجين

هذه هي الحقيقة وإن رغمت أنوف المؤدلجين

كثير من اليساريين العرب ويشاركهم بعض المتأسلمين الذين يَدّعون الاعتدال، يرددون فكرة مؤداها أن الاستعمار الغربي الذي احتل بعض بلدان العرب، ونهب ثرواتها، وصادر هويتها، هو السبب الأول والأهم الذي أشعل جذوة الإرهاب، ويأتون بأفغانستان وكذلك العراق دليلا على ما يقولون. بل إن بعض الراديكاليين القومجية يؤكدون أن (داعش) صناعة غربية، وبالذات أمريكية، وغني عن القول إن أغلبية العرب كما تعلمون شغوفون بنسج المؤامرات الوهمية، وتبرئة (الأنا) من المسؤولية. وانساق وراء هذه الأقوال عددٌ ليس قليلا من الكتاب والمحللين المؤدلجين.

وأنا على ثقة لا يخالجها شك أن (الإرهاب) لا دخل للآخر في بعثه وانتشاره. والسبب الأول والرئيس هو تطرف بعض الاجتهادات في الفتاوى في تفسير وتوظيف ما يعج به تراثنا الموروث، ربما أن أجهزة دول غربية وإقليمية استغلت هذه الظاهرة، وحاولت أن توظفها لتحقيق مصالحها السياسية، لكن الباعث الأول والأهم، الذي كان بمثابة (الجذوة) التي أيقظت هذا الكائن الشيطاني المدمر هو من حيث البدء تطرف وراديكالية بعض المقولات الفقهية الموروثة، سواء كانت جزءاً من مقولات الفقهاء الماضويين، أو فقهاء العصر الحديث الذين أحيوا هذه الفتاوى، وأعادوا صياغتها بلغة العصر، ثم أسقطوها على عالم اليوم، وبالذات جماعة الإخوان والحركات التي خرجت من تحت عباءتها.

وأنا هنا لا أبرئ الدول الاستعمارية من أخطائها الشنيعة، لكن الإرهاب الحالي لا علاقة له من قريب ولا من بعيد بالاستعمار الذي عرفته بعض الدول العربية خلال أكثر من مائة سنة، وكان له من الجرائم ما دونه التاريخ.

فالاستعمار عرفت بشاعته واستغلاله لثروات الشعوب دول كثيرة غير عربية وغير إسلامية، بل بإمكاني القول إن هناك دولا عانت من الاستعمار وأهواله أكثر بمراحل مما عاناه العرب، بل إن (اليابان) مثلا قصفها الأمريكيون بالقنابل الذرية، ثم احتلوها، ومع ذلك لم نشهد أن اليابانيين قاوموا ذلك الاستعمار بالإرهاب والإرهابيين وتكريس الكراهية كما فعل العرب والمسلمون، والأمر ينطبق أيضا على بلدان جنوب الصحراء في أفريقيا، فلماذا لم ينتشر الإرهاب وثقافة الكراهية، والعنف، في تلك البلدان، بينما انتشر في بعض البلدان العربية والإسلامية؟

إن التملص من المسؤولية وإلقائها على الآخر، لن يجعلنا قادرين على مواجهة مشاكلنا بموضوعية، وتشخيص أمراضنا وأسبابها ودوافعها كما يجب أن يكون التشخيص الذي يبدأ بالاعتراف بالمرض، والإشارة بلا مواربة إلى أسبابه، ليتسنى لنا بعد ذلك العلاج، أو على الأقل محاصرة أسبابه ودوافعه. صحيح أن هناك مثقفين غربيين ينتمون إلى اليسار، يوظفون هذه الاستنتاجات في صراعاتهم الفكرية والأيديولوجية مع أضدادهم هناك، فيعتبر بعض الكتاب العرب هذه المقولات الغربية اليسارية كأنها (اعتراف) من الغربيين بهذه المسؤولية، بينما أن دوافعها الحقيقية هناك تعود إلى المناكفات الأيديولوجية والحزبية، وتسجيل النقاط على الخصم، وليس أبعد من ذلك.

إننا إذا لم نعد إلى بعض المقولات الموروثة التي استشهد بها الإرهابيون على ممارساتهم الإرهابية ونصححها، فقد نقضي على داعش، والقاعدة، بل وربما جماعة الإخوان الإرهابية أيضا، غير أننا يجب أن نهتم بعلاج الجذور التراثية التي أنبتت هذه الظواهر الدموية، وإلا فسوف تعود حتما بأشكال ومسميات جديدة، فالمشكلة تكمن في الجذور والبيئة وليس (فقط) فيما تُنبته هذه الجذور على الأرض.
نقلا عن الجزيرة

التعليقات مغلقة.

تعليق

  • 1
    فهيد

    تماما اتفق مع الكاتب. (تطرف بعض الاجتهادات والفتاوى) طبعا إسرائيل والغرب بشكل عام اذكياء يستغلون هذا التنطع الغبي في الدين فيوضفونة في تعقيد الوضع عندنا .وفعلا نجحوا في صناعة تنك هنا.!