السودان.. التحرر من الدولة العميقة!

السودان.. التحرر من الدولة العميقة!

من المهم تفكيك دولة الإخوان العميقة، التي وجدت في كل جهاز وموقع، ومارست الترهيب والتعذيب، وكرست سياسة الإقصاء والإبعاد والتعسف، واستنزفت ميزانية وأموال الدولة، وشرعنت للفساد، وأدخلت البلاد في دوامة الفقر والتخلف.

بسقوط نظام البشير، تكون حركات الإسلام السياسي قد تعرضت لفقدان أحد أسلحتها الداعمة الخفية، ويكون السودان كذلك قد تخلص من هيمنة الأيديولوجيا، التي جثمت على صدره، وأعاقت تنميته، ودمرت مكاسبه عقودا من الزمن. ليس المقام هنا للذم والتهجم، وإنما قراءة موضوعية لحقبة عايشها كثيرون. جاء ما سمي نظام الإنقاذ الوطني إلى الحكم في 30 يونيو 1989 عبر انقلاب عسكري؛ حيث مارس أساليب الإقصاء والإبعاد وشن الحروب في جسد السودان، ناهيك عن الفشل الذريع في التعاطي مع القضايا الدولية، ليدرج السودان في قائمة الإرهاب، ويدخل بعدها في عزلة دولية قاسية.

المناورة والخداع والمماطلة أساليب وممارسات أتقنها نظام الإنقاذ، وظل يطبقها البشير إلى يوم اعتقاله. الحركة الإسلامية ذات التوجه الإخواني أنشأها وشيد برامجها منظرها الترابي، فيما نفذ أجندتها عمر البشير، الذي اختير من الكوادر العسكرية آنذاك بعناية، ليتولى مقاليد الحكم ليلة الانقلاب، وبإشراف الترابي نفسه، قبل أن يختلفا وينفصلا بعد عقد من الزمن. نجح آنذاك عراب الحركة الإسلامية حسن الترابي منذ انشقاقه عن جماعة الإخوان المسلمين بداية السبعينات، في تكوين مشروعه السياسي، واستطاع بناء قاعدة جماهيرية وسط الطلاب والمهنيين تحت مسمى (الجبهة الإسلامية)، لينافس الأحزاب التقليدية، ومن بينها حزبا (الأمة) بقيادة الصادق المهدي، و(الاتحادي الديمقراطي) بقيادة محمد عثمان الميرغني. ظل البشير يحكم حكما مطلقا، غير أن الأحداث تسارعت، وذلك بعد احتجاجات شعبية في الميادين لمدة أربعة شهور، لتصل ذروتها باعتقال البشير وخروجه من المشهد بعد حكم دام ثلاثة عقود.

توالت الأحداث وجيء بشخصية وطنية لها قبول، وتم الترحيب بها، ورغم ارتفاع سقف المطالب الشعبية، إلا أن اللافت تعاطي المجلس العسكري مع المطالب، وتفاعله مع النبض الشعبي، وأبدى موافقته لتشكيل حكومة مدنية، يُتفق على أسمائها من قبل القوى السياسية. حقبة عمر البشير كانت الأكثر فسادا واستبدادا، وقد أجاد عملية الغزل السياسي بين الدول والأطراف المتناقضة والمتباعدة. وظل الرئيس السوداني المخلوع يغير اتجاه بوصلته السياسية وتحالفاته الداخلية والإقليمية بدءا بالإخوان ومرورا بالأتراك وانتهاء بإيران. الدول المطلة على البحر الأحمر رغم معرفتها بمزاجيته وتلونه وانتهازيته كانت ترى مناسبة احتوائه وتحمله بدلا من الصدام معه؛ لأن الهدف هو تحرير الخرطوم من النفوذين الإيراني والتركي. ولكن هل ما كان يفعله البشير يعتبر تكتيكا للوصول لأهداف معينة؟ البعض وصف خطواته بالبراغماتية السودانية، وذلك بمعالجة أخطائها وتداركها للوضع، والبحث عما يحقق مصالحها، في حين رآها البعض الآخر أنها ما هي سوى مناورات جديدة، عرف بإجادته لهذا الأسلوب وعدم ثبات مواقفه.

علاقة نظام البشير بالتيارات الإسلامية قديمة، واستفاد منها ووظفها لمصلحته. وصف البعض الخرطوم بأنها كانت قبلة لكل التيارات المتطرفة في التسعينيات، وقد جاءها كارلوس وابن لادن وغيرهما من الإرهابيين. تاريخيا قيل إن إيران ممن دعمه للوصول إلى السلطة عام 1989، على اعتبار أن انقلابه امتداد للثورة الإسلامية، وأنها أسعفته بالوقود آنذاك عندما كان محاصرا. الآن، انتهت حقبة البشير، وتنفس الشعب السوداني الحرية والكرامة، وتولى الشعب زمام المبادرة عن طريق تفويض (قوى الحرية والتغيير) المدعومة بالثورة الشعبية لاستكمال الترتيبات والإجراءات، وتشكيل حكومة انتقالية مدنية، ومن المناسب التعجيل بإعلان الأسماء المرشحة وعدم التأخير؛ لأن ذلك يخدم أطرافا أخرى لا ترجو الخير للسودان وشعبه. الوقت له كلمة حاسمة في هذه المواقف. من الضروري أن يتمكن الشعب السوداني من إلغاء الدولة العميقة، التي هيمنت على كل شيء، وامتدت إلى كل مفاصل الدولة وشبكاتها. من المهم تفكيك دولة الإخوان العميقة، التي وجدت في كل جهاز وموقع، ومارست الترهيب والتعذيب، وكرست سياسة الإقصاء والإبعاد والتعسف، واستنزفت ميزانية وأموال الدولة، وشرعنت للفساد، وأدخلت البلاد في دوامة الفقر والتخلف. الخطوة الأولى لمواجهة الدولة العميقة هي تسليم الحكم إلى سلطة مدنية؛ حتى تقطع الطريق على إعادة إنتاج دولة الإخوان، ومنع عودة نشاطها بأمل هيمنتها على المشهد من جديد. تبين بما لا يدع مجالا للشك أن حركات الإسلام السياسي تعاني الانتهازية، وضآلة المنتج الفكري، والخبرة السياسية، ومع ذلك تصر على الاستحواذ على السلطة دون الأخذ في الحسبان مطالب الشعوب.

نقلاً عن الرياض