الرئيسية / السعادة كمؤشر رئيس في عام 2030

السعادة كمؤشر رئيس في عام 2030

السعادة كمؤشر رئيس في عام 2030

بقلم : فهد عامر الأحمدي

هناك نكتة تتحدث عن سائح أميركي عجوز قرر (أخيراً) تحقيق حلمه في زيارة جزيرة بالي الاستوائية.. وحين وصل هناك شاهد شاباً من سكان الجزيرة يستلقي على الشاطئ باسترخاء وكسل.. صدمه منظر الشاب فقرر تلقينه درساً في العصامية والاجتهاد فنزع قبعته التي يغطي بها وجهه عن الشمس وقال: أنت في مقتبل العمر ويفترض بك العمل بجهد وإصرار وحين تتقاعد مثلي وتصبح عجوزاً يمكنك النوم والاسترخاء وقضاء إجازتك قرب الشاطئ.. فما كان من الشاب إلا أن غطى وجهة بالقبعة مجدداً وقال بكل برود: ولماذا أنتظر حتى أصبح عجوزاً مثلك؛ فأنا أفعل ذلك الآن! لا أعلم بالضبط ماذا حدث للسائح الأميركي؛ هل أصيب بالصدمة؟ هل بقي على موقفه؟ أم أن رد الشاب جعله يدرك متأخراً أن عمره ذهب هباء..
.. هذا هو أيضاً حال الدول والشعوب أيها السادة.. بعضها يعمل لينافس ويتفوق، والبعض الآخر لا يهتم بالتفوق والمنافسة (ولا حتى بنسب النمو الاقتصادي) ويفضل الاسترخاء والعيش بسلام.. بعضها متنمر أو يعشق الظهور والتصدر (كأميركا وروسيا والصين) والبعض الآخر يعيش في بحبوحة ورخاء متجاهلاً مشاكل العالم من حوله (كسويسرا ونيوزلندا ولوكسمبورج).. بعض الشعوب تملك فلسفة روحانية مسالمة (كالهند ونيبال) وبعضها الآخر ثقافة عنيفة وطبائع شرسة (كأفغانستان والصومال).. رأيت في شرق آسيا مجتمعات تنعم بالسكينة والرضا رغم كثرة الفقراء (وخذ لاوس وكمبوديا كمثال) ودولاً تعاني من القلاقل والاضطرابات رغم مستواها الجيد ودخلها المرتفع (واختر ماتشاء من عالمنا العربي والاسلامي)… لديّ قناعة كبيرة بأن الناتج القومي لأي بلد لا يجب أن يقاس فقط بحجم الإنتاج ودخل الفرد، بل وأيضاً مستوى الرضى وراحة البال وسعادة الناس (سواء زاد دخلهم أو انخفض).. وحسب علمي لا توجد في العالم كله إلا دولة واحدة تملك مثل هذا المقياس الفريد.. مملكة بوتان (شمال الهند) التي تملك مقياساً للتنمية لا يعتمد على دخل الفرد بل على مستوى سعادة الفرد ورضاه الداخلي.. أعرف أن معظمكم سمع بمقاييس السعادة العالمية (وأكثر الشعوب سعادة حول العالم) ولكن المقياس الموجود في بوتان يعود إلى عهود قديمة ومستمد من فلسفة المنطقة التي تحث على الطمأنينة والرضى وعدم التنافس المادي.. وعدم انتظار سن الستين للاسترخاء والتمتع بالحياة.. ولأن السعادة في بوتان كنز لا يفني (ودخل قومي لا يعترف به خبراء الاقتصاد) قامت الحكومة بتبني هذه المفاهيم بشكل رسمي وأصبحت تقيسها بشكل فعلى.. وكان أول من اقترح هذه الفكرة الملك جاكمي جوردي عام 1972 حين قال: لدينا ناتج كبير من المحبة والسعادة والتسامح ولكن كيف نستطيع إظهاره للعالم.. وفي حين تعتمد مقاييس السعادة الدولية على المؤشرات المادية في المجتمع (كمستوى الدخل والصحة والتعليم) تضيف عليها حكومة بوتان مؤشرات روحانية يصعب قياسها دون سؤال الناس مباشرة (مثل تأثير الصلاة ومواقف التسامح ونسبة التخاصم وتكرر الكارما أو عودة أفعال المرء على نفسه)… الجميل فعلاً أن مملكة بوتان (التي لم يسمع بها معظمنا) هي المسؤولة عن ظهور “مقياس السعادة العالمي” الذي تبنته الأمم المتحدة عام 2012 وعقدت أول لقاءاته برئاسة رئيس وزراء بوتان ججزميد أودزير (ويمكنك معرفة المزيد بالبحث بهذه الجملة World Happiness Report)!! … وحتى يومنا هذا ماتزال بوتان الدولة الوحيدة في العالم التي تقيس سعادة ورضى مواطنيها بشكل رسمي، فهل نطمع بأن نكون (نحن) ثاني دولة تطبق هذا المقياس كأحد المؤشرات الأساسية في رؤية 2030.

نقلا عن الرياض