فخ الشعارات وضرورة الإصلاح!

فخ الشعارات وضرورة الإصلاح!

القومية العربية تشكلت كمفهوم مع نهايات القرن التاسع عشر، وهدفها آنذاك نبيل بتمجيد العرب ووحدتهم، إلا أنها سقطت في الفخ، وفشلت بسبب توظيفها السياسي..

القومية العربية تعني العرق العربي، وهذا سر جاذبيتها مع أن لدينا مواطنين في عالمنا العربي ليسوا عربا، بل بربرا وكردا وتركمان يحملون جنسية دولهم العربية. العروبة هي جزء من سلسلة لا تتعارض أو تلغي الرابطة القبلية أو الوطنية. هي كانت موجودة كثقافة ولغة قبل ظهور الإسلام، ثم تحولت إلى حضارة وهوية انتماء من خلاله وبعده، أما القومية العربية تشكلت كمفهوم مع نهايات القرن التاسع عشر وهدفها آنذاك نبيل بتمجيد العرب ووحدتهم، إلا أنها سقطت في الفخ وفشلت بسبب توظيفها السياسي. رابطة العرق محبذة عندما تعبر عن ثقافة وانتماء، لكنها لا تلقى قبولا عندما يتم تسيسها واستغلالها من منظور عصبي وشوفيني. الوعي بأهمية الوحدة العربية يعتبر حديثا مع سقوط الدولة العثمانية والغزو الخارجي ممثلا بحملة نابليون. تأسيس الفكرة القومية كما يقول شمس الدين الكيلاني جاء من الأفغاني الذي سخر من فكرة تتريك العرب وقتها، وحذا محمد عبده حذو استاذه مؤكدا على هوية مصر العربية ثم جاء محمد رشيد رضا، تلميذ محمد عبده، الذي التحم بالقضية العربية، وكذلك الكواكبي الذي أكد في طبائع الاستبداد على ضرورة استرجاع دور العرب الريادي.

الجيل الثاني الذي مثله ساطع الحصري رأى الوحدة العربية في جانب المنفعة أكثر من جانبها العاطفي واضعا لها ثلاثة أركان لتقوم من خلالها دولة قومية تتكون من خدمة عسكرية ومجالس تمثيلية ونظام تربوي، وفي ثلاثينات القرن الماضي جاء الجيل الثالث للقوميين العرب يتقدمهم ميشيل عفلق الذي كان يرى أن الخلل في موضوع الأمة وليس الدولة.

ومع ذلك مضمون القومية لا يعكس بدقة معنى العروبة، فالقومية السورية مثلا ترتكز على الحيز العقدي، في حين أن “القومية الكردية” أو “البربرية” تستند على المرجعية العرقية، الدعوة إلى العروبة هي دعوة فكرية وثقافية، بينما الدعوة إلى الوحدة العربية هي دعوة حركية وسياسية، إذن الانتماء إلى العروبة ينطلق من الوجدان وليس الإكراه، بينما الوحدة العربية العقلانية تعبر عن مصدر إلزام وكيان سياسي تفرضه المصالح المشتركة.

من يتحمس لمصطلح القومية تجد خطابه خليطا من التشنج والاندفاع دون فهم لخلفياتها وسياقاتها وتجاربها التاريخية، ولذلك هو مفهوم ملتبس في تاريخنا المعاصر، كون الحركات السياسية استغلته لتحقيق أجندتها.

وها هو عالمنا العربي الذي نراه اليوم بدأت معاناته ما بعد العام 1967، وخلال معظم النصف الثاني من القرن العشرين، ليدخل بعد ذلك في حالة تهلهل وتصدع بدليل تهاوي بعض الدول. عشرون بالمئة من الدول العربية عاشت تجارب مريرة، وصُنفت بعضها بالدولة الفاشلة لعدم وجود مشروع المواطنة، بينما صعدت قوى غير نظامية مثل حزب الله وداعش وجماعة الحوثي. الشعوب العربية خلال سبعين سنة لم تعد تتحمس لأي وحدة أو ارتباط أيديولوجي رغم جاذبيتهما فقد جاءت كل الشعارات من أجل الإمساك بالسلطة، من عاصر تلك الأيديولوجيات يجد أن طروحاتهم تكرس الديكتاتورية والاستبداد، بدءا بقومية عبدالناصر، ومرورا بأفعال حزب البعث الدموية في العراق وسورية عوضا عن شعار الأمة الخالدة الذي دُفن في مهده، وانتهاءً بالشيوعية ناهيك عن شعار الإسلاموية الذي كرسته الجماعات المتطرفة.

المفارقة التي تدعو للاستغراب إصرار بعض القومجية العرب بتبرير الإخفاق بإلقاء اللوم على الآخرين وأجندة الاستعمار، تقاذف التهم والتنصّل من المسؤوليات، وتعليق الفشل على شماعة الغير أمر غير مجد ولا نقلل بطبيعة الحال من دور التأثير الخارجي المحدود الذي يبحث عما يعزز مصالحه.

هذا الإخفاق بنيوي وبروز ذلك الخطاب سببه كما أتصور يعود إلى الأدلجة، فالمذهبية والطائفية والعنصرية والقبلية أمراض وعلل استشرت وما زالت تنهش الجسد العربي، لن تجدي نفعا الحكومات التي تفشل في سياساتها العامة من إلقاء اللائمة على مشجب المؤامرة، العوائق التي كانت تحول بالأمس دون إرساء مشروعات الإصلاح في دولنا العربية لم تعد تجد اليوم ما يبررها، ولذا الخروج من هذا النفق يكون عبر البدء بعملية الإصلاح السياسي والاقتصادي في العالم العربي وليس الارتهان إلى شعارات لم تعد تُغني ولا تُسمن من جوع.

نقلاً عن الرياض

التعليقات مغلقة.

تعليق

  • 1
    واقعي وصريح

    تعليق مخالف