صلح وستفاليا والتكوينات الأممية

صلح وستفاليا والتكوينات الأممية

يطلق مسمى معاهدة وستفاليا، أو صلح وستفاليا (Peace of Westphalia) على معاهدتي السلام اللتين دارت المفاوضات بشأنهما في مدينتي أسنابروك ومونستر في وستفاليا وتم التوقيع عليهما في 15 مايو 1648 و24 أكتوبر 1648م ووضعت حداً لحرب الثلاثين عاماً في الإمبراطورية الرومانية المقدسة (معظم الأراضي في ألمانيا اليوم) وحرب الثمانين عاماً بين إسبانيا ومملكة الأراضي المنخفضة المتحدة. ووقعها مندوبون عن إمبراطور الإمبراطورية الرومانية المقدسة فرديناند الثالث (هابسبورغ)، ممالك فرنسا، إسبانيا والسويد، وجمهورية هولندا والإمارات البروتستانتية التابعة للإمبراطورية الرومانية المقدسة.

وتكمن أهمية هذا الصلح في كونه أول اتفاقية دبلوماسية في العصر الحديث. وكون هذا الصلح قد بني على أساس سيادة الدول وعدم التدخل في شؤون الغير فقد اعتبر هذا الصلح بداية للدولة الوطنية بمفهومها الحديث. فقد تم تبادل التمثيل الدبلوماسي والسفراء بين الدول وأصبح ممارسة دولية بين الدول الأوروبية مما جعل الدبلوماسية مهنة قائمة بذاتها.

وقد تمخض عنه إنهاء الصراع الديني والمذهبي الذي عانت من أوروبا. وكذلك وضع هذا الصلح حداً لعصر الإصلاح الديني الذي كان يهدف إلى القضاء على الكاثوليكية الرومانية التي تتبع كنيسة روما. كما قضى على محاولات الكاثوليكية في إعادة الولاء المطلق للبابا وللكنيسة. وكان هذا يعني ضرورة التعايش بين المذهبين الكاثوليكي والبروتستانتي في أوروبا، ولن يتم هذا التعايش دون التسامح الديني. وجه ذلك الصلح الكثير من أفراد المجتمعات الأوروبية نحو العلم والتعلم ودراسة الفلسفة والمنطق، وإنهاء سيطرة اللاهوت على العقل الأوروبي، والدعوة إلى تحكيمه في الكثير من الأمور.

وما زالت معاهدة وستفاليا تشكل أهم الجوانب السياسية لعالمنا المعاصر إلى اليوم. ويهمنا هنا تلك المبادئ التي تجسد ركائز القانون الدولي، وفي مقدمتها احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. بحيث أصبح لكل دولة ممارسة سلطتها داخل نطاقها الجغرافي. وبذلك أصبحت الدولة الوطنية هي الوحدة السياسية المقبولة في النظام العالمي المعاصر. وهذا يعني أن الدعوات إلى التكوينات الأممية العابرة للحدود الوطنية ما هي إلا دعوات تسير عكس التاريخ.

نقلا عن الرياض