تركيا بين أزمة الطماطم والمحكمة الدولية

تركيا بين أزمة الطماطم والمحكمة الدولية

العملية العسكرية التركية في شمال شرق سوريا ضد المدنيين الأكراد و قوات سوريا الديموقراطية، أو ما يمكن أن يوصف بالجناح العسكري للإدارة الكردية في الشمال السوري، بدأت في 10 أكتوبر الجاري وتكمل اليوم الخميس اسبوعها الأول، وهذه القوات تضم مقاتلين أكراد ومن جنسيات عربية، وقد كانت حليفا لأمريكا والدول الغربية في معركتها ضد تنظيــــم داعش، هذا بجــــانب احتجازها لأكثر من 12 الف إرهابي من تنظيم الدولة، من بينهم 2000 أجنبي و 800 أوروبي، والمعنى أنها لعبت دوراً مهماً في انحسار تواجد وتأثير داعش في سوريا، والعلاقة بين أكراد سوريا والدولة التركية لم تكن مستقرة أبداً، فقد استهدفتها تركيا في أغسطس 2016 ويناير 2018، وبنفس الحجج التي تكررها تركيا هذه الأيام أو ايجاد منطقة أمنة لعودة اللاجئين السوريين الموجودين في تركيا، وباستخدام عبارات رومانسية لوصف عملياتها كـ “غصن الزيتون” و “نبع السلام”، وتركيا متوجسة بالتأكيد من انتقال فكرة الحكم الذاتي التي بدأت تأخذ ملامحها في الشمال السوري الى الاكراد في تركيا، خصوصاً وان هناك مطالبـات قديمة لاكراد تركيا بالانفصــــال وتأسيس دولة مستقلة، والأكراد ينشرون في المناطق الحدودية لسوريا والعراق وتركيا وإيران، والجغرافيا وحدها تعمل لمصلحتهم.

ما قامت به تركيــا في الشمال السوري تم بمباركة منفردة من الرئيس الأمريكي ترامب، وقراره واجه معارضة من البنتاغون ومن الحزبين الديموقراطي والجمهوري والمجتمع الدولي، لان الهجوم موجه الى قوات سوريا الديمواقراطية الحليف الأمريكي الذي تدعمه واشنطن مالياً لمواجهة داعش، وهو صاحب نجاحات عريضة في الاجهازعلى دولة الخلافة الداعشية، ما يعني ان التحرك الرئاسي الفردي يشكل خرقاً سياسياً لاسلوب تعامل أمريكا مع حلفائها، ويخالف اتفاق الإرادة الدولية على مواجهة الإرهاب في سوريا، ولعل ما سبق يفسر التصريحات غير المنسجمة للرئيس الأمريكي، فقد قال قبل العملية العسكرية بأن القوات الأمريكية لن تدعم العمليات التركية ولن تشارك فيها، وطلب مراعاة الجوانب الإنسانية في الضربة التركية، في اشارة بانه يوافق على ما ستقوم به تركيا بدون مشاركة، ثم هدد تركيا بانه وفي حالة تجاوز العمليات العسكرية لاهدافها المعلنة فان الاقتصاد التركي سيدفع الثمن، وانتهي يوم أول من أمس الثلاثاء الى فرض عقوبات اقتصاد على تركيا، ليضيف ازمة جديدة لـ ” أزمة الطماطم ” وانهيار الليرة التركية أمام الدولار وتراجع شعبية أردوغان في الشارع التركي، ويظهر ان تركيا لم تلتزم باتفاقها مع أمريكا كما يبدوا، أو أن أمريكا تصورت شيء وحدث ما يخالف تصورها.

في اعتقادي ان تركيا تضرب الخصم الخطأ مع معرفتها بانه مخطئة، فالأكرد في سوريا أو حتى في تركيا ليسوا مصدرا لأي خطر إرهابي محتمل على الأقل في السنوات القليلة الماضية، والعكس هو الصحيح فتركيا كانت باستمرار ممراً أمناً لمن يرغب في الانضمام الى تنظيم الدولة في سوريا أو ما كان يعرف بتنظيم ” داعش”، والمراقبون يعتقدون بان الدواعش صناعة تركية لتشويه صورة الاسلام السلفي، وانهم عبارة عن ورقة ضغط يحتفظ بها الأتراك لاستخدمها مع الخصوم السياسيين أو مع المخالفين لتوجه تركيا ورغباتها، أوانهم يمثلون محاولة تركية لبعث ميثاق الملة من جديد واعادة أحياء السلطنة العثمانية، وهذا السلوك ومعه الطموحات العثمانية معتاد من تركيا والشواهد عليه كثيرة.

قبل ستة أشهر، على وجه التقريب، طرحت فكرة أنشاء محكمة دولية في شمال شرق سوريا لمحاكمة الدواعش، وكانت قوات سوريا الديموقراطية تقف وراء الفكرة، ولكنها لم تكن مقبولة لان الادارة الكردية في الشمال السوري غير معترف بها دوليا، ولصعوبة حماية الشهود في منطقة نزاع مسلح، الى غير ذلك، ولعل السبب الأساسي لإثارة موضوع المحكمة الدولية هو البحث عن حل لمشكلة الدواعش الأوربيين الذين ترفض دولهم استلامهم بدون محاكمة، ومن المفارقات، أن هذه الملابسات عملت لمصلحة تركيا لان الدواعش اما يحملون جوازات تركيـــــة أو ان جـــوازتهم عليها أختام دخول من تركيا، بجانب أن الإدارة الكردية في الشمــــال الســـوري تحتفظ بوثاثق تـدين الدولة التركيـة ورئيسها وبعض القيادات فيها، وتثبت تورطهم في العمليات الإرهابية لتنظيم داعش، وفي كل الأحوال ما يحاول الاتراك تسويقه على المجتمع الدولي وتركيزهم على الملمح الانساني للعمليات العسكرية وانها جاءت لتأمين منطقة أمنة يعود اليها لاجئي سوريا لا ينسجم مع استهدف تركيا للمدنيين الأكراد.