التاريخ بين الاستجابة والتحدي

التاريخ بين الاستجابة والتحدي

تعود نظرية “حركة التاريخ بناء على التحدي الذي تواجهه الحضارات وقدرتها على اجتيازه” إلى المؤرخ الإنجليزي

أرنولد جوزيف توينبي (1889 – 1975)، وهو مؤرخ إنجليزي يُعد من أكبر المؤرخين فى القرن العشرين، وقد ألف العديد من الكتب ويهمنا هنا كتابه الضخم “دراسة للتاريخ” – A Study of History – الذي ضم دراسة 21 حضارة، ويقع فى اثني عشر مجلداً، واستغرق تأليفه أكثر من واحد وأربعين عاماً، وقد اهتم فيه مؤلفه بموضوع قيام وسقوط الحضارات، تقوم نظرية توينبي التاريخية على القول إن نشأة الحضارات الأولى كانت تعتمد على قدرتها على الاستجابة للتحديات، وأن حركة التاريخ تنبع من كيفية تعامل الحضارة مع التحدي الذي تواجهه إن كان سلباً أو إيجاباً. وتنقل الحضارات بين السلبية والإيجابية في هذا التعامل هي التي تمكن التاريخ من الحركة، ويبقى هنا عمل المؤرخ هو دراسة الظروف المختلفة التي قادت هذه الحضارات إلى هذه المواقف من التحديات. وبذلك يمكن أن يكتب التاريخ، أما العلة الكامنة وراء هذه المواقف فليس بإمكان المؤرخ التعرف عليها. يرى توينبي أن قدرة الحضارة على اجتياز تحدٍ ما سيولد داخلها طاقة قادرة على دفعها لتجاوز تحدٍ آخر، وهكذا تتراكم القدرة على اجتياز التحديات بكثرة عمليات الاجتياز السابقة والعكس صحيح. وهنا تكون الأقلية المبدعة التي تقود الحضارات هي المسؤولة عن إنتاج الأفكار التي تسهل عمليات اجتياز التحدي، وكلما نجحت هذه الأقلية الملهمة في نشر أفكارها إلى العامة كلما زاد ذلك من قوة الحضارة وحصانتها أمام التحديات، وبينما تعتبر المحاكاة في الحضارات النامية والمتخلفة تنحو نحو الماضي بمحاكاة القدماء، فإن المحاكاة في المجتمعات الخلاقة حركة تقدمية تقود إلى محاكاة الطليعة.

ويعد دور هذه الأقلية الحاكمة على درجة كبيرة من الأهمية، وكلما ضعفت هذه الأقلية أو نضبت أفكارها، أو فقدت دورها كمثال يحتذى به ضعفت الحضارة.

نقلا عن الرياض