عبدالحميد العمري

4 محاور تواجه وزارة العمل

بداية؛ جميعنا يتمنى أن يحالف الوزير الجديد للعمل والتنمية الاجتماعية التوفيق والنجاح في مهامه الجسيمة، التي ترتبط بأحد أكبر التحديات التنموية المحلية، بدءا من تحدي البطالة التي تحاصر أضرارها الوخيمة شرائح شبابنا وبناتنا بدرجة أكبر من غيرهم من بقية شرائح المجتمع، ازدادت أخيرا نتيجة الظروف الاقتصادية والمالية غير المواتية، التي أضعفت بدورها من قدرة القطاع الخاص على امتصاص أكبر قدر ممكن من طالبي العمل من المواطنين والمواطنات، رغم أنه كان لافتا جدا نمو توظيف العمالة الوافدة خلال الفترة نفسها! إضافة إلى التحديات الأخرى المرتبطة بالشرائح الأخرى من المجتمع، من محدودي الدخل والمطلقات والأرامل، والأدوار التنموية المهمة جدا الملقاة على عاتق الوزارة، التي تستهدف تعزيز أحزمة الأمان الاقتصادي والاجتماعي الخاصة بتلك الشرائح.

الجميع دون استثناء يضع يده في يد وزارة العمل والتنمية الاجتماعية، ويأمل أن يتحقق التقدم الملموس على مستوى تلك المهام والمسؤوليات الملقاة على عاتقها، وأن تنعكس فعليا على أرض الواقع بما يلبي تطلعات مختلف شرائح المجتمع كافة. انطلاقا من هذه التوطئة؛ رأيت أهمية مشاركة الوزير الجديد بالتفكير والاهتمام في إطار مواجهة تلك الأعباء التنموية، وهو دون أدنى شك الاهتمام نفسه لكل فرد ينتمي لهذه البلاد الغالية، آملين جميعا أن تكلل جهود الوزارة وغيرها من الأجهزة التنفيذية بالنجاح والتقدم، بالتركيز هنا على جانب تحديات سوق العمل، ومواجهة شبح البطالة، والحديث لاحقا بمشيئة الله تعالى عن جوانب التنمية الاجتماعية في مقال آخر.

يتلخص الحديث عن أربعة محاور رئيسة، يتوقع أن نجاح الوزارة في تجاوزها سيؤدي إلى محاصرة البطالة على وضعها الراهن، دون إغفال أهمية بقية الأدوات والإجراءات المتوافرة لديها، إلا أن هذه المحاور الأربعة الرئيسة تحظى في المرحلة الراهنة بأهمية قصوى، حسبما سيأتي إيضاحه.

المحور الأول: المعالجة القصوى والعاجلة لمؤشرات الانكشاف المهني؛ التي كشفت عنها دراسة الوزارة، تركزت حول أوضاع سوق العمل وواقع العمالة في القطاع الخاص، وقياس اعتمادية سوق العمل على العمالة الوافدة في المهن والقطاعات والمناطق المختلفة، اعتمد بناء عليها مؤشرات بالغة الأهمية للانكشاف المهني، استهدفت تحقيق الأمان الاقتصادي والمهني في المهن الحرجة، التي تتوافق مع مبادرات الوزارة وبرامجها التحولية، ضمن مستهدفات برنامج التحول الوطني 2020 و”رؤية المملكة 2030″.

يأتي هذا المحور المهم جدا في مقدمة أولويات عمل الوزير الجديد، وضرورة تسريع الجهود ومنظومة العمل المشتركة مع بقية الأجهزة الحكومية وفي القطاع الخاص، التي تستهدف تحقيق نسب التوطين اللازمة في المهن الحرجة لتحقيق الأمان المهني. يجب أن تؤخذ نتائج ما كشفته دراسة “الانكشاف المهني” على محمل جدية أكبر من قبل الأجهزة الحكومية كافة لا وزارة العمل والتنمية الاجتماعية منفردة، لعل من أخطر نتائجها ما كشفته عن الهيمنة المقلقة جدا للعمالة الوافدة على المهن الحرجة التي حددتها الدراسة، والمخاطر المحتملة حال مغادرة أعداد مؤثرة من الجنسيات المهيمنة إلى بلادها، إضافة إلى ضرورة المواجهة المبكرة لأية مخاطر اقتصادية واجتماعية وأمنية محتملة، نتيجة سيطرة الوافدين على القطاعات والمهن الحرجة في سوق العمل المحلية.

سيؤدي التقدم الجيد والفاعل على هذا الطريق إلى إحلال الكثير من تلك المهن والوظائف بالعمالة الوطنية، وفق منظومة عمل مشتركة في الأجلين المتوسط والطويل، إلى تجاوز مجرد تحدي البطالة بين شرائح الشباب، إلى تحقيق الأمان الاقتصادي والاجتماعي محليا، وتحسين مستويات دخل المواطنين لما تحظى به تلك المهن من ارتفاع معدلات أجورها الشهرية، وتقليص حجم التسرب المالي والاقتصادي عبر الحوالات بعشرات المليارات للعمالة الوافدة، وإعادة تدويرها داخل الاقتصاد الوطني.

المحور الثاني: البدء بجدية وفعالية على مستوى تطبيق نطاقات الموزون؛ الذي يتجاوز بتنفيذه الاختلالات الكبيرة التي نتجت عن برامج التوطين السابقة (2011 – 2016) في مقدمتها برنامج نطاقات، وما نتج عنه من زيادة خطيرة للسعودة الوهمية، ترتب عليها زيادة مفرطة في استقدام العمالة الوافدة من الخارج، تجاوزت أعداد التأشيرات الممنوحة لمنشآت القطاع الخاص خلال فترة تطبيق تلك البرامج نفسها سقف 9.5 مليون تأشيرة عمل للعمالة الوافدة! ذلك أن برنامج نطاقات أتاح لكثير من منشآت القطاع الخاص عبر تقدمها إلى النطاق الأخضر، إمكانية الفوز بمزيد من تأشيرات الاستقدام بمئات الآلاف، ومكمن الخطورة هنا أن دخول كثير من المنشآت النطاق الأخضر جاء أغلبه نتيجة السعودة الوهمية. أهمية نطاقات الموزون هنا؛ أنه سيأخذ في الاعتبار عوامل أخرى مهمة لم تكن في حسبان برامج التوطين السابقة، لعل من أهمها: (1) متوسط أجور السعوديين في المنشأة. (2) نسبة توطين النساء في المنشأة. (3) الاستدامة الوظيفية للسعوديين. (4) نسبة ذوي الأجور المرتفعة منهم.

المحور الثالث: التوسع في البرامج الموجهة للمنشآت؛ الذي يتوجه إلى التوطين الشامل والكامل لعدد من النشاطات الاقتصادية والتجارية (كتجربة توطين قطاع الاتصالات في مهنتي بيع وصيانة أجهزة الجوالات وملحقاتها)، التي ستساعد بدرجة كبيرة في القضاء على التستر التجاري وانتشار العمالة الوافدة السائبة، حيث توجد نشاطات محلية يجب أن تقتصر في أسرع وقت على المواطنين والمواطنات فقط، وتقدم عمل الوزارة مع وزيرها الجديد في هذا الاتجاه سيمنح للاقتصاد والمجتمع مكاسب كبيرة جدا بمشيئة الله، تسهم مجتمعة في تحسين فرص تمكين المواطنين والمواطنات، وتحسين مستويات دخلهم، وفي الوقت ذاته تساعدنا جميعا على التخلص من آفات التستر التجاري وتسيب العمالة الوافدة محليا.

المحور الرابع: الإسراع بتوطين المناصب القيادية لمنشآت القطاع الخاص؛ يوجب سرعة ابتكار وتطبيق برامج توطين خاصة للمناصب القيادية والتنفيذية في منشآت القطاع الخاص، ذلك أنه من النتائج السلبية لبرامج التوطين السابقة (2011 – 2016)، حدث أن ارتفعت بشكل لافت جدا ومتسارع سيطرة العمالة الوافدة على المناصب القيادية والتنفيذية، تضاعفت أكثر من أربع مرات خلال الفترة الماضية، إذ ارتفعت نسبة سيطرة العمالة الوافدة من 10.1 في المائة من إجمالي عدد المديرين ومديري الأعمال في القطاع الخاص نهاية 2010، لتتجاوز في وقتنا الراهن نسبة 40 في المائة، ويقدر في غياب مواجهة هذه المخاطر الحقيقية أن تستمر في الارتفاع أكثر، وبالطبع فإن كل ذلك يأتي على حساب الاقتصاد الوطني والمجتمع على حد سواء، هذا عدا أخطاره متوسطة وطويلة الأجل على مستوى التعثر المتوقع لتوطين فرص العمل المحلية، قياسا على أن دفة اتخاذ القرارات القيادية والتنفيذية فترة بعد فترة نراها تتركز في يد العمالة الوافدة. والله ولي التوفيق.

نقلا عن “الإقتصادية”