نحن في عصر التكنولوجيا لا عصر الأيديولوجيا

نحن في عصر التكنولوجيا لا عصر الأيديولوجيا

التغيرات التي أحدثتها ثورة الاتصالات، وسهولة الوصول إلى المعلومة، حررت الإنسان من حبائل الأيديولوجيا، التي تجعل الإنسان يتلقى مفاهيم وقناعات من مصادر تم تصميمها لأهداف مسبقة، غالبًا ما تكون مقيدة للإِنسان، وتقف حجر عثرة في طريق اختياراته، ودفعه لسماع رأي واحد معين، على اعتبار أنه يحمل الحقيقة التي لا حقيقة غيرها؛ ومن هنا تبدأ (الأيديولوجيا) دون أن يشعر بتوجيهه، وتُلغي قدرته على الاختيار، وتحجب عنه الوجه الآخر لهذه الأيديولوجية التي لها في الأغلب عدة أوجه مختلفة، متضمنة العيوب بدلاً من الصورة الوردية التي يقدمها لها دعاة الأيديولوجيا. لذلك فقد كان لوسائل الاتصال التقليدية بين أفراد المجتمع كوسائل الإعلام التقليدية والخطب والمحاضرات أبلغ الأثر في صناعة الفرد ايديولوجيا، بالشكل الذي يجعله على استعداد لأن (يُناضل) ويصنع المستحيل لخدمة قناعاته الأيديولوجية، التي يرى أنها تحمل الحق المطلق.

ثورة الاتصال التكنولوجية، التي شكلتها على الأرض وسائل الاتصال الاجتماعي، التي نعيش اليوم في بداياتها، غيرت طرق وأساليب التواصل الاجتماعي تغييرًا كاملاً، فأصبح بإمكان الفرد بنفسه واختياره أن يطلع على الصورة كاملة بإيجابياتها وسلبياتها، دون أن تستطيع أي قوة اعتراضها ومنعها من أن تصل إليه؛ فأصبح يقرأ أو يسمع فعلاً (الرأي والرأي الآخر)، وأن يُكوّن بعد ذلك قناعاته حسب اختياره، دون أن تتدخل في تكوين هذه القناعات عوامل أخرى كما كان الأمر قبل ثورة الاتصالات.

ومن هنا يمكن القول وبقدر كبير من العلمية أن التكنولوجيا حجّمت إلى درجة كبيرة الأيديولوجيا، ومنحت الفرد المعاصر مساحة من الحرية يستطيع من خلالها تكوين قناعاته بنفسه، ودون أن يتدخل طرف ثالث في صناعة هذه القناعات. وهذا ما يستطيع الباحث أن يلحظه من خلال انحسار أعداد (المؤدلجين)، أو بلغة أدق الحماس للإيديولوجيا، مقابل انتشار غير المؤدلجين، خاصة في بدايات القرن الواحد والعشرين. وفي تقديري أن اضمحلال شعبية جماعة الإخوان المسلمين عنها في العقود الماضية كان لهذا العامل دور محوري فيها، إضافة طبعًا إلى عوامل أخرى أهمها فشل جماعة الإخوان في الشؤون الاقتصادية والسياسية في الدول التي تولوا الحكم فيها، وكذلك الأمر ينسحب على تسييس المذهب الشيعي الذي هو الآخر تأثر تأثرًا بالغًا بثورة الاتصالات، ولعل (لجوء) ملالي إيران لقطع خدمات السوشل ميديا عن الإيرانيين إبان الثورة الشعبية الأخيرة يؤكد بالدليل ما أقول.

وفي تقديري أن ثورة التكنولوجيا وانحسار موجة الايديولوجيات سيكون لها أثر كبير وبالغ في صناعة قناعات إنسان المستقبل، وستنتهي ايديولوجيات وتقوم بدلها فلسفات، كما ستصبح الفروق بين قناعات الأفراد في المجتمعات ضيقة أكثر من أي وقت مضى، فالفكرة، أي فكرة، لن تقوم لها قائمة إلا إذا كانت مقنعة ومنطقية، وفي المقابل فالأفكار غير العلمية التي تقوم – مثلاً – على الخرافات واللا معقول ستضعف ثم تتلاشى. لذلك يمكن القول أن عصرًا فلسفيًا جديدًا هو الآن في طور التكون، من لم يتواءم معه، ويتماهى مع شروطه، فلن يستطيع البقاء.

إلى اللقاء

نقلا عن الجزيرة

التعليقات مغلقة.

9 تعليقات

  • 9
    غير معروف

    ***.. ديننا هو الاساس وسيبقى

  • 8
    غير معروف

    سيبقى الاسلام والايمان ايديولوجيتنا رغم عن انف العلمان الخونة فهذه الجزيرة سماها النبي ص زيرة وهذا هو قدرها والعلمنة محرد سحابة غابرة كما حصل للمرتدين في زمن ابي بكر رض

  • 7
    غير معروف

    نعلم عن أيديولوجيا العلمانية و الليبرالية و نعرف من هم المؤدلجين الذين يُناضلون لأجلها

  • 6
    واقعي وصريح

    لن تقوم أي أمة وهي متخاصمة مع نفسها وأنظروا شرقاً وغرباً فلايزال لدينا كُتًاب إثارة لايهدفون إلى توحد أمة أو مصلحة عامة …من وصلوا للتكنولوجيا متفقين يحترمون بعضهم البعض ولذلك نجحوا

  • 5
    واقعي وصريح

    التكنولوجيا لأهلها ولن يفرطوا فيها
    ولن تنال التكنولوجيا ويوجد بين الناس من يتعالى على الآخرين وهو لم يصنع إبرة خياطة وماأكثرهم مثل هذا الكاتب وأشباهه

  • 4
    متبصر

    وهذه التكنولوجيا تفيد حتى على مستوى اختيارات الافراد في مسائل مثل الدراسة والعمل والاقامة والتنقل والزواج وغيرها الكثير.حيث اصبح يستطيع ان يستطلع خيارات واراء مختلفة غير مؤدلجة ثم يختار الانسب له.

  • 3
    متبصر

    صحيح.التكنولوجيا نعمة حتى على مستوى الافراد.اما الايديولوجيات وخصوصا العنصرية ومتطرفي القومجية والظلام السياسي السني والشيعي.فليشهد العالم 2025 الى 2027 فقط وسيكونو اختفو ولم يبق لهم اثر.وسنرى ذلك.

  • 2
    يوسف

    الايديولوچيا هى العقيده السياسيه او الفكريه
    ويظن الفرد صاحب الأيديولوجيا المعينة بأن معتقداته هي الشيء الحقيقي والقريب من الواقع حتى لو كانت خاطئةً، لأن العقل يؤمن بها لذلك لن تنتهي الايديولوچيا

  • 1
    واقعي وصريح

    مافي رأسك يا كاتبنا لا أيديولوجيا ولا تكنولوجيا