لا كسرى بعد سليماني

لا كسرى بعد سليماني

يعتقد كثير من المحللين أن قاسم سليماني قائد كتيبة القدس الذي تمت تصفيته مؤخرًا يمكن للإيرانيين تعويضه بغيره؛ لأن مهامه كانت مؤسساتية، وأن ثمة آخرين على المستوى نفسه من القدرات، يمكن أن يقوموا بالمهام التي كان يقوم بها.

وأنا أعتقد أن تعويضه صعب للغاية إذا لم يكن مستحيلاً عمليًّا، ولاسيما في هذه الظروف؛ فالرجل – كما يقال عنه – كان مركزيًّا، يتولى المهام بنفسه، ولا يتكل على الآخرين؛ لذلك تجده دائمًا في الميدان، ويتنقل بين أفراد خلاياه باستمرار. بينما العمل المؤسساتي لا يمكن أن ينطبق على هذه المنشأة الإرهابية السرية؛ لأن قيادتها أشبه ما تكون بالتعامل مع عصابة، يكون لقدرات الشخص الذاتية دور محوري في نجاحها، وعندما يغيب، وتحتاج العصابة لرجل له من الصفات ما يمتلكه القائد السلف، تجد من الصعوبة بمكان تعويضه؛ فعادة يكون للإمكانات والصفات والخبرات الشخصية دور في السيطرة على هذه الشبكات، ومن أجل أن يكتسبها خلفه يحتاج لزمن ليس بالقصير كي يمكنه سد الفراغ.

ولظروف إيران اليوم، وبالذات تلك الانتفاضات في إيران والعراق ولبنان وسوريا، يكون الأمر في غاية الحساسية؛ الأمر الذي يجعل خليفته من اللحظة الأولى مطالبًا باتخاذ قرارات لا تسمح إطلاقًا بالخطأ، ولو كانت نسبته ضئيلة؛ لأن إيران في الداخل بعد إسقاط الطائرة الأوكرانية، وكذلك في العراق ولبنان وسوريا واليمن، تواجه انتفاضات شعبية، خلطت الأوراق، وأضعفت الأدوات والأشخاص الذين هم بمنزلة الآليات التي مكّنت سليماني من القيام بمهامه بالشكل الذي جعله يسيطر على القرار في أربع عواصم عربية. أضف إلى ذلك أن القدرات التي وفرها خامنئي لسليماني في الماضي من الصعوبة أن يوفرها لخليفته اليوم، خاصة في ظل العقوبات الأمريكية التي تضغط على موارد إيران المالية وبقوة الآن. أضف إلى ذلك أن سليماني هو الذي أنشأ هذه الميليشيات، وهو من اختار قادتها، ويعرف كيف يتعامل مع كل واحد منهم بناء على خبرته. وتفاصيل هذه الخبرات عادة غير مدونة. إضافة إلى أن سليماني، ومن خلال تعامله مع هذه الميليشيات، خلق لنفسه كاريزما طاغية على كل أفراد خلاياه الإرهابية وقادتها؛ ما جعله يشكّل لهم صاحب سِحر خاص. ومعروف عند الشيعة أن الشخصيات القيادية يسبغون عليها ضربًا من ضروب القدسية والخرافية التي تجعل تأثير شخصيته وتعاليمه غالبًا ما يكتنفها سِحر وجاذبية، ويكون تأثيرها في الأتباع له سطوة ونفوذ.

كما أن نجاح سليماني الرئيس يعود إلى أن له علاقات مباشرة بالمرشد الخامنئي، وبينهما كيمياء شخصية، ليس بالضرورة توفرها فيمَن سيأتي خلفًا له.

كما أن مقتل سليماني بهذه الطريقة الإبداعية هز كثيرًا مكانة وهيبة ومنعة إيران لدى قادة وأفراد الميليشيات.. وفي المقابل زاد بشكل خرافي من قوة وهيبة وسطوة الجيش الأمريكي في أعينهم، بالشكل الذي سيجعل الميليشيات قيادات وأفرادًا يشعرون بأن خطر التصفية يطاردهم أينما حلوا وارتحلوا. وهذا – بلا شك – سيؤثر كثيرًا في معنوياتهم، ويحد من مغامراتهم وقدرتهم على الحركة، بشكل لا يمكن تجاوزه عند تحليل آثار مقتل سليماني على إرهابيي إيران في المنطقة.

كما يمكن لمن يقرأ الحالة هنا أن يجدها أقرب ما تكون لحادثة تصفية أسامة بن لادن، وأثرها السلبي على تنظيم القاعدة؛ فتلك الحادثة تشبه هذه الحادثة؛ فلم يستطع القاعديون إيجاد بديل لابن لادن، بقدراته القيادية ذاتها، وكذلك الإيرانيون لن يستطيعوا لأسباب موضوعية إيجاد البديل. فلا كسرى بعد سليماني.

إلى اللقاء.

نقلا عن الجزيرة

التعليقات مغلقة.

تعليق

  • 1
    غير معروف

    التحليل في وادي وانت في وادي الله يخلف على مزنه