قطر وأزمة الجلباب السعودي

قطر وأزمة الجلباب السعودي

قطر في أزمة مع نفسها منذ أكثر من 23 سنة، وسلوكها السياسي مقروء ولا ينطوي على مفاجآت، وانهيار مفاوضات الصلح ورفع الحصار الأخيرة معها أمر متوقع بدرجة كبيرة؛ لأن نظام مجلس التعاون والتقاليد التي تحكم طريقة عمله ليست واضحة بما فيه الكفاية، بجانب أن الحفيد والأب لا يريدان العيش في الجلباب السعودي الذي اختاره الجد، وهذا الجد كما يرونه لم يكن مستقلاً في قراره، والحقيقة أنه كان منحازاً للإجماع الخليجي ومغلباً لمصلحة الخليج بكامل مكوناته، ومدركاً لطبيعة التوازنات في المنطقة، وليس تجنياً أن توصف قطر بأنها صغيرة بالمعنى الجغرافي والديمواغرافي للكلمة.

الدوحة كانت باستمرار مطية لمعظم أعداء الخليج، ومن الأمثلة، تركيا التي أحضرت جيشاً متواضعاً وأقامت فيها قاعدة عسكرية والدعم الإعلامي لتنظيم الإخوان في مصر وفي غيرها، والتحالف مع إيران في اليمن بنسخته الحوثية، ومنح لإسرائيليين الجنسية القطرية وتمكينهم من الدراسة في جامعاتها والالتحاق بجيشها، وقطر استطاعت تجاوز ضعفها الفيزيائي بقوتها الناعمة، فقد قدمت أكثر من مليار دولار لمؤسسات التعليم الأمريكية ما بين عامي 2011 و2016، واهتمت بتوجيه الجزء الأكبر من دعمها لجامعة جورج تاون الشهيرة، وخريجو هذه الجامعة ينضمون في العادة إلى دوائر السياسة والدبلوماسية الأمريكية، في محاولة مدروسة لشراء الولاءات السياسية.

حتى الحملة ضد ترمب وقضية عزله، ومن ثم تقييد صلاحياته في توجيه ضربه لإيران، وقبله عرقلة الحزب الديموقراطي لوضع تنظيم الإخوان في قائمة الجماعات الإرهابية سنة 2018، كلها أمور عملت عليها قطر في كواليس السياسة الإعلام، وبالتعاون مع شركائها في الحزب الديموقراطي الأمريكي؛ لأن ترمب أضر بمصالحها ومصالح حلفائها، ووزارة العدل الأمريكية تقوم بإجراء تحقيقات مفصلة في الوقت الحالي، لمعرفة مستوى تورط حكومة قطر في تبرعات وهدايا وجهت لجامعات ومراكز بحثية أمريكية، وتم استثمارها كغطاء لخدمة السياسة القطرية وأولوياتها في أمريكا.

جامعتا هارفارد وييل من الجامعات المتورطة، وكلاهما خرج رؤساء أمريكيين وشخصيات سياسية واقتصادية بارزة، والخطورة تبدو في أن التمويل الأجنبي الذي لم يبلغ عنه، وأغلبه من قطر، وصل إلى ستة مليارات وخمسمائة مليون دولار، والقانون ينص على ضرورة الإبلاغ عن كل تبرع سنوي يتجاوز ربع المليون دولار.

جامعة جورج تاون أكدت التزامها بمبادئها، وقالت إنها لا تقبل إلا ما يتوافق مع قيمها وأهدافها التعليمية، وما ينسجم مع حريتها الكاملة في الإنفاق البحثي والأكاديمي دون شروط، ولكن الحال نفسها لا تنطبق على البقية، فمعهد بروكينغز المؤثر في الرأي العام والإعلام الأمريكي، وفي الأفكار والتوجهات السياسية حول العالم، يعمل بتمويل وتوجيه قطري، ولا يسمح بانتقاد قطر داخل أروقته، أو في حوارات الباحثين ومناقشاتهم، وهذا لا يتفق وأبسط معايير الحياد العلمي.

نقلا عن عكاظ