بلطجية بدوي.. وحوار «المجلة»

بلطجية بدوي.. وحوار «المجلة»

اشتهر عن المفكر المصري عبدالرحمن بدوي طبعه الحاد، ومزاجه الصعب، وعصبيته الظاهرة، وانطوائيته على نفسه، وسيل الشتائم التي يقذفها يميناً ويساراً على مجايليه وزملائه من المثقفين، ومن سبقوه أيضاً من الزعماء والإصلاحيين.

لبدوي جهود عظيمة في خدمة الثقافة والفلسفة، فأي باحث عربي في حقول الفكر الغربي لا يستغني عن مؤلفاته الجليلة في إثراء الثقافة العربية، وترجماته وجهوده التي تصل إلى قرابة 150 عملاً.

هذا الرجل كان راهباً في محراب الفلسفة، كما يصفه نجيب محفوظ، «له أسلوب خاص في الحياة ليس فيه مجال للود المتبادل بين الناس، ولم يكن يميل للاختلاط بالناس أو مجاملاتهم».

لذلك جاء كتابه «سيرة حياتي» مدججاً بالقذائف، شن هجمات شرسة على الجميع، ولم يسلم من سيل نقده اللاذع، وسياط لسانه السليط إلا النزر القليل، «فشيوخ الأزهر بطبعهم طماعون حاقدون يأكل الحسد قلوبهم، وفي سبيل نيل أي منصب ذي شأن لا يتورعون عن استخدام أخس الوسائل»، أما الإمام محمد عبده، فهو عند بدوي «إصلاحي ديني مزعوم، كل اجتهاده في الإصلاح الديني يتلخص في أنه أحل لبس القبعة»، ويصف سعد زغلول بأنه صاحب تاريخ شائن «ينضح بالخيانة والوصولية، وممالأة الإنجليز المحتلين»، ومصطفى النحاس «أبله معتوه، يرتكب المحسوبيات الصارخة والمظالم البشعة»، وطه حسين «كان يبلغ رجال البوليس عن زعماء الطلبة المعارضين للحكومة، مستعيناً في ذلك ببعض الطلاب المتزلفين إليه»، وعن عباس العقاد كتب: «العقاد طوال حياته مأجور لحزب من الأحزاب، للوفد، ثم لخصوم الوفد، ومأجور لبريطانيا طول مدة الحرب على الأقل».

ولا يتورع بدوي أن يعترف باستخدامه أسلوب البلطجة وعصابات الفتوة للتعامل مع من يختلف معهم من المثقفين والمفكرين، حيث يقول: «كتب العقاد مقالات ضد الإخوان المسلمين، لكن هؤلاء سكتوا ولم يحركوا ساكناً، ثم انكفأ بعد ذلك يهاجم (مصر الفتاة) -الحركة التي كان عبدالرحمن بدوي عضواً فيها-، فلما كتب أول مقال تشاورنا بماذا نرد؟ فرأى محمد صبيح أن يكون الرد قاسياً في مجلتنا، وفعلاً كُتب المقال بعنوان «العقاد جهول يريد أن يعلّم الناس ما لا يعلم»، فكتب العقاد مقالاً آخر أشد وأعنف، وكان من رأيي أن العقاد يرحب بهذه المقالات، ولا علاج له سوى العنف والضرب، وأخذ برأيي اثنان من أعضاء الحزب، فتربصا للعقاد وهو عائد إلى بيته رقم 13 شارع سليم في مصر الجديدة، وانهالا عليه «بالضرب والصفع والركل» وأفهماه أن هذا تأديب مبدئي بسبب مقالين ضد مصر الفتاة، فإن عاد سيعودون إليه بما هو أشد نكالاً، وأحدثت هذه «العلقة» أثرها الحاسم، فخرس العقاد خرساً تاماً، ولم يعد إلى الكتابة ضد مصر الفتاة».

في هذا السياق أتذكر حواراً أجرته معه مجلة المجلة في أبريل من العام 2000، أجراه الصحفي عثمان تزغارت، وكتب في عنوانه:«قصة أغرب مقابلة صحافية، بدأت باتهامات بالجهل، وانتهت بشتائم نابية»، يقول تزغارت: كنت متوقعاً أنني محصن ضد غرائب المواقف بعد أن قضيت عشرين سنة في الصحافة، لكنني أعترف أنه لم يسبق لي أن واجهت وضعاً يضاهي في غرابته الموقف المربك الذي صادفني وأنا ألتقي المفكر الكبير عبدالرحمن بدوي.

نشرت المجلة الحوار في ثلاث صفحات كان جلها عن حكاية عجائب هذه المقابلة التي كادت أن تنتهي عراكاً بالأيدي لولا لطف الله، قضى الصحفي خمس ساعات، في جو مليء بالتوتر والغضب ولم يتمكن من طرح سؤال واحد، وكلما بدأ بطرح فكرة انقض عليه بدوي بالشتائم والسب.

طلب بدوي من مجلة المجلة مبلغ 350 جنيهاً إسترلينياً من أجل إجراء المقابلة، يقول تزغارت: «فور وصولنا أعطيته المبلغ في ظرف، أخذه ووضعه في جيب سترته»، لكن في كل مرة حين يغضب كان يُخرج ظرف النقود ويرميه، ثم يهدأ قليلاً ويعيده إلى جيبه، وهكذا.

سأله المحاور عن سر إهمال المؤسسات المصرية لجهوده، فانفجر غاضباً: «هذا مش صحيح»، ورمى ظرف النقود قائلاً: «هل تعتقد لأنك سعودي تستطيع أن تشتريني بفلوسك! طب خذها، واختف من وجهي، أنا ولا يهمني، ولم أرغب في المقابلة». ربما يقصد عبدالرحمن بدوي أن المجلة تصدر عن شركة سعودية، فالصحفي عثمان تزغارت جزائري ولم يكن سعودياً!

حين أصبح الحوار بهذا الشكل أراد الصحفي أن يلملم أوراقه خارجاً منهياً الحوار، لكنه أراد أن يسدد سؤالا لاذعاً لبدوي «انتقامياً» يخرجه من طوره، فسأله: «ذكرت في سيرتك قصة اعتقالك في ليبيا وقلت إنها لأسباب سياسية، بينما الرواية الليبية هي أن اعتقالك كان بسبب اتهامك بعلاقة جنسية، ما ردك؟».

انتفض بدوي وانتفخت أوداجه، وقال: «ماهذه السفالات، واضح أنك تربيت في وسط سافل، ولا تعيش إلا وسط السفالات».

يقول تزغارت: فضلت الصمت، وخيل إلي لو استمررت في البقاء ربما سيضربني، فخرجت، وهو يصرخ من خلفنا: «أنا مش عاوز أشوف خلقتكم ثاني».

بعد نشر هذا الحوار، كتب الأستاذ علي العميم مقالاً في مجلة المجلة بعنوان: (هل أُهمل عبدالرحمن بدوي لعلة أيديولوجية، أم لعلة شخصية؟)، تحدث فيه عن الأبعاد المأسوية في شخصية بدوي، وإحساسه الحاد بالحرمان من الاعتراف والتقدير، يقول العميم: «عندما قرأت سيرة حياته تحول هذا الظن إلى يقين راسخ، بأن العلة تكمن في شخصه الكريم، إذ تأكد لي أنه من الأشخاص الذين لا يمكن أن يغامر أحد سوى أمهاتهم – اللواتي كان من قدرهن المحتوم أن ينجبنهم – في محضهم الود والمحبة».

وسألت الأستاذ علي العميم عن سبب عدم تعليقه على الحوار الذي أجرته مجلة المجلة مع بدوي، خاصة أن مقاله هذا قد نشر بعد الحوار مباشرة، فأجابني: «الحقيقة أن لي قصة مع هذا الحوار، فقد كان في الأصل فكرة ومبادرة مني. فمع متابعتي لنشاط وفكر بدوي منذ صغري، رأيت في صدور سيرة حياته فرصة لإجراء حوار معه، اقترحت الأمر حينها على الأستاذ عبدالعزيز الخميس -رئيس التحرير-، وجهزت عدداً من الأفكار والأسئلة، وكان المقترح أن يجري هذا الحوار مراسل المجلة في باريس عثمان تزغارت الذي سيضيف أسئلة من عنده أيضاً، وينشر الحوار بالشراكة بيني وبينه. لكني تفاجأت بأن الحوار قد نزل باسم عثمان تزغارت لوحده، ولم يشر لاسمي ودوري في الحوار، خاصة أن عدداً من الأسئلة التي بعثتها له كي يوجهها لبدوي هي معلومات شفهية غير منشورة، مثل ما حدث له مع الإمارات، وحكاية اعتقاله في ليبيا وما دار فيها فقد أخبرني بذلك أستاذ مصري شيوعي حين كنت طالباً بالجامعة، وربما تكون من تشنيعات الشيوعيين على عبدالرحمن بدوي».

يقول العميم: «حين اعترضت على ما حدث، اقترح الأستاذ الخميس تسوية للمشكلة أن أكتب مقالاً في العدد القادم عن شخصية عبدالرحمن بدوي، تناولت فيه كتابه الصادر حديثاً «سيرة حياتي»، وعلقت على كثير من الأفكار التي كان من المفترض أن ترد بالتفصيل في الحوار، دون أن أشير إلى الحوار ذاته».
نقلا عن عكاظ