لِـمَ لا نترك المستحيل؟

لِـمَ لا نترك المستحيل؟

يشتكي الأستاذ عبدالله من حساسية شديدة في الأنف تنغص عليه حياته. حسب كلامه: من النادر أن يستخدم فتحتي الأنف في نفس الوقت، “إذا انفتح هذا انسد الآخر”. أحياناً يستيقظ من النوم مختنقاً وفمه ناشف. لا يتذكر متى بدأت هذه المشكلة. رغم تطور العالم وتطور الأدوية والوعي الصحي إلا أنه مازال يعاني منها كما عانى منها دائماً.

تعود مشكلته إلى سببين؛ سبب عام وسبب خاص. المدينة التي يعيش فيها مثلها مثل كل المدن تعاني من التلوث وعوادم السيارات ولقاح الأشجار والغبار وغير ذلك. هذه مشكلة عامة لا يملك لها حلاً. تحتاج إلى تظافر جهات حكومية متعددة بل تحتاج إلى تعاون جهات دولية لإعادة النظر في التكنلوجيا وأسلوب بناء المدن والمصانع. باختصار لا يملك الأستاذ عبدالله أي قدرة على حلها والبحث فيها يمكن أن يفيد ثقافياً ولكن لن يساعده أبداً على حل مشكلته. السبب الثاني يعود إليه. داخل منزله. هذا السبب في متناول يده وتحت سيطرته. يستطيع أن يبدل مخدة الريش بمخدة مصنوعة من مادة أخرى. يستطيع أن يضع في مجلسه وغرفة نومه مرطب. يستطيع أن يعالج الشبابيك والنوافذ بحيث تصبح أكثر إحكاماً. يستطيع التخلص من الموكيت. يستطيع أن يتناول أدوية الحساسية بانتظام، يستطيع تجنب الأطعمة التي تثير حساسيته. أشياء كثير يستطيع أن يفعلها لخفض مشكلته وجعل حياته أكثر سهولة وسعادة. بيد أن الأستاذ عبدالله أهمل ما يستطيعه ويقدر عليه وصار يهذر في كل مجلس مهاجماً البلدية والمصانع والدول الصناعية والتكنلوجيا. يحمّل الجميع مشكلة انسداد خشمه بل صادر يدعو عليهم صباحاً ومساءً.

كلما تذكرت مشكلة الأستاذ عبدالله هذا تذكرت مشكلتنا مع الإرهاب والتخلف والطائفية. داعش صناعة أميركية يقف وراءها أيضاً إيران وطاغية دمشق وإسرائيل والصهيونية ومؤخراً تمت إضافة بوتين. قرأت مقالات وتعليقات ومخرجات ندوات لا حصر لها تثبت هذا وتؤكده.

ما الذي استفدناه بعد أن أثبتنا أن هذه القوى الدولية تقف وراء داعش؟. ما الذي استفدناه بعد أن أقنعنا مواطننا العادي بهذه النتيجة؟. ما المطلوب منا الآن؟، إعداد جيش يحارب العالم أو أن نستسلم دون قيد أو شرط. هل نستطيع أن نعد جيشاً يحارب الصهاينة والإسرائيليين والإيرانيين والأمريكان وجيش بوتين؟. مشكلتنا مع داعش أو التخلف أو الطائفية كمشكلة عبدالله مع انسداد خشمه. ترك ما يستطيع وراح يهدر ويهذر بما لا يستطيع.

ندواتنا وتعليقاتنا ومقالاتنا وجهودنا كان يجب أن تكتفي بالبحث في دورنا في تغذية داعش والطائفية والتخلف. أن نبقى في حدود ما يمكن عمله بقدراتنا وإمكانيات وسلطتنا. إذا عرفنا ما هو دورنا في تغذية داعش نكون أنهينا ثمانين في المئة من مشكلتنا، والعشرين في المئة الباقية في أسوأ الأحوال نهيئ أنفسنا للتعامل معها إلى أن يهدي الله كل تلك القوى بالكف عنا. ما الذي يجعلنا نتآمر على مواطننا البسيط بتدويل عواطفه وجعله في حالة احتراب نفسية مع كل القوى العظمى والصغرى في هذا العالم، ما الفائدة أن نغذي الناس بمشاكل مستحيلة.

المشكلة لا تعتبر مشكلة إلا إذا كانت قابلة للحل.. الذي لا حل له يجب التكيف معه. الطائفية الإرهاب والتخلف مشاكل كبيرة ولكنها قابلة للحل شريطة أن نترك النحت في المستحيل والعمل داخل الممكن؛ وكل عام وأنتم بألف خير.

نقلا عن الرياض

التعليقات مغلقة.

5 تعليقات

  • 5
    ابوفيصل 1

    مخالف للنشر

  • 4
    hima

    مقال ممتاز,واعتقد ان اغلب الممثلين اصحاب الادوار الرئيسيه في الفلم ابدعوا فيه,ويمكن تطبيق هذا على ترك النكد الخارجي,وعمل مسرح وسينما في المنزل.

  • 3
    منطقي

    نعم المخرج عاوز كده والممثلين غلى قفى من يشيل, ليت قومي يدركون

  • 2
    واقع لكلام حساس و جميل

    فعلاً هذا ما يفعله المهايطون او كما يقال في الافلام المصرية المخرج عاوز كده

  • 1
    زائر

    مخالف للنشر