رئيس التحرير : مشعل العريفي
 فهد الأحمري
فهد الأحمري

هل أنت فاسد

أليس الفاسد هو ذلك المسؤول عن استقطاب الكفاءات العلمية والأكاديمية والطبية والمهنية ثم إذا بنا نرى كوارث علمية وأكاديمية وطبية ومهنية واكتشاف عاهات مستوردة وشهادات مزورة حتى بطل العالم في الفساد لن يقر بفساده، لذا فإننا لا نتوقع الإجابة الشفافة على العنوان المطروح. ولأن السائد في مفهوم الفساد -عند العقل الجمعي- يتركز على الفساد الأخلاقي من جهة الانحراف والإيغال في اللهو والملذات، بينما الفساد الآخر الذي ينصب في جانب ضعف أو انعدام النزاهة في الشأن العام والمال العام، يُعد شطارة ودهاء و«مرجلة» في عرف بعض أفراد المجتمع. وقد يخصص المجتمع هذا الفساد -المجانب للنزاهة-، فقط، على اختلاس أو قبول رشوة أو التلاعب في مناقصة ما، وبالتالي فإن الغالبية نزيهون غير فاسدين، إما بسبب عدم تهيؤ الفرصة أمام الفرد في مسيرته المهنية، أو لكون البعض يتمتع بحس رقابة ذاتية وضمير حي مستيقظ. غير أننا إذا تأملنا الفساد بمنظوره الشمولي بكل تجرد وحيادية فإن جُنحة الفساد ستعم الكثير من أفراد المجتمع. الموظف الذي يتملص من عمله ولا يقوم بالمهام الموكلة إليه ويعطل حاجات الناس ولا يعبأ بتضييع أوقاتهم وأعمالهم ومصالحهم ويطالبهم بالمراجعة يوما تلو يوم، أليس فاسدا؟! أليس الفاسد هو أيضا ذلك الموظف الذي يقضي وقته في الثرثرة والتسلية والمحادثات الهاتفية وتصفح الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل الاجتماعي، بينما ينبغي أن يتواجد على مكتبه، جسدا وعقلا وروحا، لتسيير أعمال الجهة المُشغلة له وقضاء حاجات الناس؟ أليس الفاسد هو الذي يُمشّي الأمور من تحت الطاولة أو من فوق الطاولة، عينك عين، لتسريع وتيرة معاملات الأشخاص «الدفّيعة» والناس «الذوات»، أو لقبول من لا تنطبق عليه الشروط ومن لا يستحق، أو تقديم اسم على آخر بـ «خشم الريال» كما يقال؟! أليس هو الذي يدمّر الوطن ويتسبب في كوارث جسدية ومادية لأبناء الوطن والمقيمين على أرض الوطن لأنه أُوكل بمشاريع وطنية فسمح باستخدام مواد دون المستوى، أو تغاضى عن مخالفات في المشروع لأجل حفنة من الريالات أو مصالح شخصية له ولذويه؟! أليس هو ذلك المسؤول عن استقطاب الكفاءات العلمية والأكاديمية والطبية والمهنية، ثم إذا بنا نرى كوارث علمية وأكاديمية وطبية ومهنية واكتشاف عاهات مستوردة وشهادات مزورة، شقّت بطون مرضى وشيدت مشاريع؟ مات أصحاب تلك البطون بأخطاء طبية، وانهارت بعض تلك المشاريع فوق رؤوسنا وجرفتنا سيول، وغمرتنا شوارع، وخنقتنا أنفاق و..و..و… أليس الفاسد هو الذي يعطي وعودا حين يتقلد الوظيفة، صغيرة كانت تلك الوظيفة أم كبيرة، وينسى وعوده من اليوم الثاني؟ وفي اليوم الثالث تصبح الوعود وعيدا ووبالا على متلقي الخدمة. أليس هو الذي يُضحي بمبادئه الدينية والدنيوية في عيد الأطماع والشره ومرتزقة المال؟ أليس الفاسد هو ذلك الذي يمنح الميزات والمميزات والتوصيات -فقط- لمن يُتخم جيبه، الذي لا يتخم على الإطلاق؟ أليس هو الذي لا يقدم الرعاية والاهتمام بالمراجعين والمنسوبين لقطاعه بل يقدم لهم الهمّ والنكد والشقاء؟ أليس هو ذلك المعلم/‏‏المعلمة اللذين يقدمان نصف المعرفة وربع الجهد وثمن الأمانة وصفر الإخلاص لطلابهم؟ أوليس هو المسؤول الذي ينغمس في المحسوبيات ومحاباة الأقارب والأصحاب الأسوأ لاستيعابهم في المنشأة على حساب الأجدر والأحق والأكفأ؟ وأليس الفاسد هو ذلك المدعي في الجهات الرسمية والمجالس الخاصة بينما المفترض أن يكون هو المدعى عليه؟! أليس هو من يفسح أو يستقدم المنتجات الرديئة والنماذج الرديئة من آلات وبشر، ويعرّض البلد وسكان البلد للخطر بضمير غائب ودراهم حاضرة؟! أليس هو من يروّج للشائعات ويعزز التصنيفات المجتمعية والفكرية ويمارس الطائفية ويحرّض على العنصرية بأنواعها، ويكرّس التمييز الطبقي والتعصب الرياضي؟! أو ليس الفاسد هو من لا يحترم الآخرين ويريدهم أن يحترموه ويؤدوا حقوقه ويُقدروا شأنه دون أن يبادلهم هو الآداب والسلوك ذاته لابتلائه بالشوفونية لشخصه والنرجسية والدونية لغيره من البشر؟ أليس هو ذلك «المستشرف» الذي يحدث الجموع بأمور ويفعل خلافها، فإذا نوقش في ذلك، سرد الأعذار والمبررات «المفصلة» لشخصه أو لشيخه بدعوى أن «الأمر عارض» أو «أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم»؟ وأليس هو من يُنكر ويخْفي أو يبرر أخطاءه وأخطاء إدارته بجملة بلهاء معتادة: «إنها تحدث في كل مكان»؟! والقائمة تطول..
نقلا عن "الوطن"

arrow up