رئيس التحرير : مشعل العريفي
 فهد الأحمري
فهد الأحمري

المقدّس والمدنس

في كلا المشهدين، التطرف المسيحي والتطرف الإسلامي، ينتقل الأتباع من أزمة إلى أخرى، من غلو في مظاهر الدين إلى غلو في مظاهر الدنيا
قامت الكنيسة في العصور الوسطى بدور كبير في تشكيل فكر وسلوك المجتمع الأوروبي، وتكريس مفاهيم المبادئ المسيحية، وكان من أبرز تلك المبادئ ثنائية "المقدس والمدنس" التي دعت إليها الكنيسة ووجهت لها الشعوب الأوروبية.
المقدس في نظر الكنيسة هي الروح - داخل الجسد - وكل ما يتعلق بالآخرة من عبادة وأماكن عبادة وعبّاد من كهنة وقديسين.
والمدنس عند الكنيسة هي الدنيا وما حوت من شهوات وأموال وأعمال وقصور وأجساد، وعلى رأس تلك الأجساد تأتي المرأة التي هي ينبوع السيئة وأصل الخطيئة والفجور وهي باب من أبواب جهنم، وفق المفهوم الكنسي.
يقول القديس ترتليان أحد كبار النصرانية: "المرأة مدخل الشيطان إلى نفس الإنسان، وهي الدافعة بالمرء إلى الشجرة الملعونة ناقضة لقانون الله، ومشوهة لصورة الرجل". ويقول القديس سوستام عنها أيضا "إنها شر لا بد منه، وآفة مرغوب فيها".
فكل ما على الدنيا مدنس يتطلب الابتعاد والتنزه عنه، بينما الروح والآخرة مقدستان يتطلب التوجه إليهما بالكلية، ولا يتحقق هذا إلا بقتل الشهوات ونبذ الدنيا للانتقال من المدنس إلى المقدس.
وعليه، فقد ازدهرت الكنائس والصوامع بالرهبان الزاهدين الذين هجروا الحياة الدنيا وأقبلوا على العزلة وممارسة تعذيب الجسد بتجويعه وحمله للأثقال على سبيل خلاص الروح من دناءة الجسد.
لا شك أن هذه المبادئ المنحرفة ليست من دين الله لمخالفتها الفطرة السوية، مما جعل أوروبا تعيش مرحلة عصيبة ثارت لأجلها الشعوب على الكنيسة وهمشتها واتجهت لمبادئ مغايرة ومناهضة للدين، كالإلحاد والشيوعية والعلمانية في أبشع صورها.
غلاة المسلمين لم يكونوا بعيدين عن مبدأ المقدس والمدنس عند المسيحية. وُجد هذا حتى في عهد النبي الكريم، كما في حديث الثلاثة الرهط، أحدهم كان يصلي الليل فلا ينام، والثاني يصوم الدهر فلا يفطر، والثالث يعتزل النساء فلا يتزوج أبدا، فنهاهم الرسول عليه السلام، وذكر أنه يمارس حياته الطبيعية فيأكل وينام ويتزوج النساء.
غير أن هذه البذرة، المقدس والمدنس، ظلت موجودة عند بعض المسلمين بممارسات متباينة تشتد وتخف بحسب النفحات الروحانية والرموز المعاصرة.
تعج الكتب والمواعظ والخطب بقصص الزهاد الذين اعتزلوا الحياة الدنيا وحرموا طيباتها التي أخرج لعباده {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق}.
من هؤلاء من اعتزل الزواج فلم يتزوج طيلة عمره، زهدا أو تفرغا للتبتل والعبادة أو لطلب العلم، ومنهم من آثر الوحدة واعتزال الناس جزئيا أو كليا.
وفيهم من ترك المباحات فلا يزيد على خبز الشعير ولا يذوق الفاكهة، ومنهم من يقلل المطعم حتى ييبس بدنه ويعذب نفسه بلبس الصوف ويمنعها الماء البارد.
وفيهم من انقطع في مسجد أو رباط أو جبل، وترك التداوي لخروجه عن التوكل، بزعمهم.
وكان لتقديس الأشخاص حظوة كبيرة عند بعض المسلمين، حتى إن ابن عباس أنكر ذلك على قوم فقال: (يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول لكم قال الله وقال رسول الله وتقولون قال أبو بكر وعمر)!. وجاء عن بعضهم أنهم استغربوا أن يذنب قوم وفيهم الحسن البصري. ورغم مكانة أبو بكر وعمر والحسن إلا أن اعتقاد العصمة لغير الأنبياء غلو مذموم.
ومع ظهور الصحوة عادت نزعة التشدد حاملة سياقات "المقدس والمدنس"، شكليا، وبدرجات متفاوتة، فوضعت رموزا جددا يضافون للرموز الأحياء منهم والأموات وبدأت تضرب لهم سياجا من القداسة لا يصح الاقتراب منها.
أما المدنس، فقد عمدت الصحوة على منازلة المخالفين لرأي الرمز "المقدس" وقذّعتهم وسفّهتهم ووصفتهم بالعوام الهوام، دواب الأرض، ودنست كرامتهم الممنوحة لهم بنص {ولقد كرمنا بني آدم}. دائرة المدنس في العصر الصحوي شبيهة بالعصور الوسطى عند الكنيسة من حيث تحقير المرأة وانتقاص حقوقها، أسهم في ذلك النسق القبلي الذي يحط من قدر المرأة.
اتسعت دائرة التشدد لتشمل تحريم المختلف فيه وجعلته قولا واحدا، ومارست التعتيم على الأقوال الأخرى في مسائل النزاع التي تعد فلا تحصى.
أما مستجدات العصر فحدث ولا حرج، فقد نهوا عن الجلوس على الكنب وطاولة الطعام والأكل بالملعقة ولبس البنطلون والقبعة ومكبرات الصوت والفضائيات.. إلخ. وعلى أثر هذا الغلو الصحوي، جنح بعض الشباب المسلم إلى الانقلاب على الفكر المتطرف بتطرف آخر،
مستلهما أيديولوجيات شيوعية وإلحادية وعلمانية في سيناريو انقلابي شبيه بالانقلاب على الكنيسة التي زاولت الغلو على الشعوب الأوروبية.
في كلا المشهدين، التطرف المسيحي والتطرف الإسلامي، ينتقل الأتباع من أزمة إلى أخرى، من غلو في مظاهر الدين إلى غلو في مظاهر الدنيا، من تقديس المقدس إلى تدنيس المقدس، ومن تدنيس المدنس إلى تقديس المدنس بنسب متفاوتة بين الأتباع.
لا نحتاج لكبير عناء لاستقراء بواعث تلك الأزمات، فهي تدور حول انحراف بعض الرموز و"رجالات الدين" عن الوسطية المفطور عليها الخلق، واستغفال الشعوب لنيل القداسة، وبالتالي منحهم رقابهم وإدارة شؤون حياتهم الدينية والمدنية.
يقول العلامة الشيخ ابن بيه ‫"‬الدولة في الإسلام ليست دولة ثيوقراطية، بل مدنية بمعنى من المعاني، لكنها بالتأكيد ليست دولة علمانية. إنّها دولة يكون للدين فيها مكانُه ومكانتُه في مزاوجةٍ مع المصالح واتساع من التأويل، لا يقوم عليها رجال دين، ولكنْ رجالٌ مدنيون‫"‬.
نقلا عن "الوطن"

أهم الأخبار
arrow up