عقل العقل

الغرب.. وتفكيك إيران داخليا

قرار انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي مع إيران سيكون نقطة فاصلة في مستقبل منطقة الشرق الأوسط، فالذين راهنوا على أن الدور الأميركي في المنطقة يميل إلى الانعزالية والانكفاء وعدم الوضوح، وأن سياسة واشنطن سلمت بالهيمنة الروسية على بعض الملفات، فوجئوا بالقرار الأميركي والمدافع في المقام الأول عن مصالح أميركا في العالم، ومنها منطقتنا، وثانياً أن واشنطن تقف كعادتها إلى جانب حلفائها التاريخين في المنطقة، وبخاصة أن بعض الملفات، ومنها الملف السوري وصل إلى مرحلة الحسم السياسي، وواشنطن لن تترك روسيا أو إيران تقرران الوضع النهائي هناك، بل إن المؤشرات تعطي دلالات واضحة أن الانكفاء الأميركي في الانشغال بالوضع السوري كان بهدف إنهاك الروس والإيرانيين عسكريا واقتصاديا في الأزمة السورية خلال السنوات السبع الماضية، والمشهد الأخير يذكرنا بالتورط السوفياتي في أفغانستان، الذي كانت له نتائج كارثية على المعسكر الشرقي في تسعينات القرن الماضي.

لا يمكن أن تنطلي علينا الخطابات والاسطوانة المكررة والمشروخة في الدفاع عن القضية الفلسطينية، من جانب إيران وحلفائها في المنطقة، نتيجة إلغاء واشنطن الاتفاق النووي، فإطلاق صواريخ إيرانية على منطقة الجولان المحتلة أصبحت في نظرهم وكأنها تحول نوعي في الصراع العربي – الإسرائيلي، والجميع في محور ما يسمي كذبا بـالممانعة» غشاهم الصمت جراء الضربات الإسرائيلية للقوات الإيرانية في الداخل السوري، ويحاولون توظيفها في ماكينتهم الإعلامية السياسية بأنها دفاع عن الشعب الفلسطيني، وكلنا يعرف أن القوات الإيرانية ومن يلف في فلكها هم من أدوات القتل بكل بشاعته ضد الشعب السوري الطامح إلى تغيير نظام طائفي أوغل في وحشيته.

من تابع خطاب الرئيس ترامب عند إعلانه انسحاب إدارته من الاتفاق النووي مع إيران، يلحظ شروطا جديدة حددها وطالب النظام الإيراني بتنفيذها، ومنها: قضايا الأسلحة البالستية، وحقوق الإنسان في الداخل الإيراني، والكف عن رعاية المنظمات الإرهابية في المنطقة، وهذه رسائل واضحة أن الإدارة الأميركية ستعمل على اتفاق جديد يتضمن هذه الشروط، وقد لا يصل إلى عمل عسكري مباشر تجاه النظام الإيراني، ولكن العمل على إسقاطه من الداخل، فإيران والجميع تابع المظاهرات التي شهدتها المدن الإيرانية قبل أشهر، وكانت شعاراتها اقتصادية في المقام الأول، ولكنها في النهاية عبرت عن مطالب سياسية لها علاقة بالحريات والحفاظ على المال العام وعدم دعم المنظمات الإرهابية بالخارج.

أتذكر خروج الآلاف من أبناء الشعب الإيراني غداة توقيع الاتفاق النووي مع القوى الدولية في 2015 مبتهجين بخروج بلادهم من العقوبات والحصار الاقتصادي المفروض عليهم، ولكن يبدو أن ذلك الاتفاق خدم النظام الإيراني في مشاريعه التوسعية ولم يترجم الآمال التي اعتقد فيها الشعب الإيراني، على العكس من ذلك المشهد، لم نشهد الجماهير الإيرانية تخرج في المدن الإيرانية منددة بالانسحاب الأميركي منه، وهذا يعطي دلالات واضحة أن هذا الموقف الشعبي الإيراني سيستغله الغرب في السنوات المقبلة لإسقاط النظام من الداخل.

نقلا عن الحياة