محمد آل الشيخ

قطر هي الجزيرة والجزيرة هي قطر

قطر الدولة كيان سياسي مختلف عن بقية الكيانات السياسية في كل أرجاء العالم، حيث إنها دولة ابتلعتها قناة فضائية، فلا تستطيع أن تفرق بين الدولة وبين القناة، أو بلغة أدق بين ما يصدر من الدولة، وما يصدر من هذه القناة التلفزيونية. فقطر دويلة صغيرة، غنية بموارد الغاز والنفط، تقع على رقعة جغرافية لا تتعدى مساحتها أحد عشر كيلومترا مربعا، وتعداد سكانها القطريين الأصليين -كما يقولون- لا يصل إلى ثلاثمائة ألف نسمة إلا بالكاد.
هذه الدويلة الصغيرة التي ليس لها تاريخ، ولا لأهلها جذور مرتبطة بأرضهم، فكل أهلها نزحوا إليها من قلب الجزيرة، ولم تُعرف ككيان سياسيي مستقل إلا عندما منحتها بريطانيا الاستقلال، فأصبحت دولة ذات حدود، وشعبها ذوو انتماء سياسي لدولة محدثة اسمها قطر.
هذه الدولة قرر أميرها أو هو بلغة أدق (حاكمها) أن يبني بعائدات الثروات الطبيعية تاريخا ومكانة وقوة وسلطة وسطوة وصيتا وشهرة، رغم أنه لا يملك من عوامل تحقيق هذه الطموحات سوى المال فقط، ولا شيء غير المال.
ولم يعرف في التاريخ قط أن المال دونما عوامل القوة والسياسة الأخرى حقق لأي كيان سياسي مكانة وقوة وسطوة، غير أن أمير قطر الذي هو الآن يمارس سلطته من خلف الكواليس ما زال يصر أن المال إذا أنفقه بسخاء، واشترى به الذمم، واستأجر به الأصوات، واستقطب من خلاله القوى الأخرى فإنه كفيل بفعل المعجزة، لتكون قطر الصغيرة المرتمية على ضفاف الخليج العربي التي تحدها دولة كبيرة من جميع الجهات، ولا تملك إلا منفذا بريا وحيدا، دولة عظمى، تصول وتجول، كما تصول الدول الكبرى.
قناة الجزيرة الفضائية كانت سيفها البتار ورمحها السمهري، الذي أراد أميرها أن تكون وسيلته في تحقيق طموحاته التي لا تمت للمعقولية والموضوعية بأية صلة.
أنشأ هذه القناة منذ منتصف التسعينيات من القرن المنصرم، وأغدق عليها بجنون، واستورد لها من الخارج جميع طواقمها، وهيأ لها دولته برمتها، حتى أصبحت قطر بقضها وقضيضها بمثابة الخدمات المساندة لعمل هذه القناة، وجعل إدارتها الحقيقية (القصر الأميري)، وجعل من مديرها الفلسطيني ياسر أبوهلالة وزير الإعلام القطري، ومن مذيعيها ومذيعاتها ضيوفا دائمين على موائد القصر، يتجاذب معهم الأحاديث، ويتبادل معهم الآراء كما يفعل الرؤساء مع كبار مستشاريهم؛ بمعنى أدق أصبحت قناة الجزيرة هي قطر، وأصبحت قطر هي قناة الجزيرة، أما بقية القطريين، ونُخب القطريين، وأفراد الأسرة الحاكمة، فقد كانوا مجرد (رعايا) لا علاقة لهم بالقرار، يأكلون، ويسكنون في مساكن مترفة، وتمتلئ حساباتهم البنكية بالملايين، لكنهم صامتون لا يشاركون في القرار، ولا يستشارون فيه، فالوافدون، وبالذات من عرب الشمال هم فعلا لا قولا بمثابة (حذام) الذي يقول عنها الشاعر: إذا قالت حذام فصدقوها… فإن القول ما قالت حذام
ولكي تحقق هذه القناة، أو هذه الدولة المبتلعة من القناة، كان لا بد لها من أن تتبنى الإرهاب، والحركات السرية الثورية، لتعوّض بها ما تفتقده من عوامل القوة، ولتصبح هذه الحركات معول هدم لأنظمة الدول الأخرى التي يمتد لها طموح الحاكم القطري، ولكي من خلاله تستطيع أن تفرض هيمنتها وسلطتها على الآخرين، لتحقيق طموحات حاكمها، غير أن كل هذه الطموحات التي كلفت الخزينة القطرية مئات المليارات، انهارت بين ليلة وضحاها، حين أعلنت الدول الأربع الأكثر تضررا من قطر ومن عبث قطر ومن طموحات حاكمها المجنونة، مقاطعتها، وأصبح المُهاجِم -بكسر الجيم- مهاجَما -بفتحها-، وها هي قطر تجوب العالم من أقصاه إلى أقصاه تبحث عن مُعين ينقذها من ورطتها، ولكن لا حل إلا إذا عادت إلى الواقع، وآمنت بالحكمة التي تقول (رحم الله من عرف قدر نفسه)!!

نقلًا عن الجزيرة