قينان الغامدي

كم نحن بشر ساقطون: فقط أردت أن أبكي

دعوني اليوم أبكي مع كل من يعرف الحزن قلبه واستعصى الدمع على عينيه!، ليس هناك أقسى موقفا ممن يستجدي الدمع ليستريح قليلا ولا دمع!، ليس هناك موقف أقسى على من يرى السقوط أمام عينيه ولا يستطيع الحزن!
قاسٍ أنت أيها الظلم، وأنت أعظم وحشية حين لا أعرف من الظالم، قاسٍ والله وأنت تمزق نياط القلوب فرحا بالانتصار! الله، كم أنت متوحش وقميء ومخيف أيها الظلم وأنت ترقص على الأشلاء الممزقة، وعلى الجدران المهدمة، والأشجار المحترقة، والطرقات الباكية، وفوق حطام الزمن البهيج!
سقطت الموصل! انتصرنا، سقطت بنغازي! انتصرنا، سقطت، وسقطت، وسقطت، مدن ودول، وانتصر من انتصر، وهزم من هزم!
هل تعرفون ما معنى سقطت؟!، يعني بشرا ماتوا، وحيوانات أُبيدت، وبيوت بذكرياتها تهدمت، وحدائق وأشجار احترقت، وطرقات بتواريخها خربت، وزمن بمباهجه وأتراحه اختفى، ودنيا كاملة انتهت، وتاريخ مكتنز بالأحداث الصغيرة الحميمة والكبيرة بسلبها وإيجابها انطوت صفحاته، إنه سقوط وكفى!.
مقاييس النصر والهزيمة موجعة مفجعة لعقل وقلب ووجدان البشر، جارحة قاتلة لإنسان فارغ مثلي، يظن أن الدمعة لها ثمنها، والابتسامة لها بهجتها، فارغ فعلا، لا يعترف بمقاييس النصر والهزيمة، ويظنها حدثا جللا لا يجب أن يقبله الإنسان «الإنسان!»، لكنه فارغ فعلا لأن النصر والهزيمة لهما مقاييس لا تأخذ في حسبانها من سقط «إنسانا وحجرا وشجرا وحيوانا وتاريخا ومباهج وأحزانا وأفراحا وزمنا ودمعا وجمالا وحياة….!»، إنما تأخذ في حسبانها قوة الرصاصة، وجودة البارود، وحصد الأحياء، وإبادة الزمن!
هل ما زلتم فرحين بسقوط الموصل وبنغازي وبقية الدول والمدن السابقة واللاحقة؟!
نعم، هناك نهوض، وهناك حياة جديدة ستقوم، لكن هناك سقوط لن يعود! سقوط لحياة كاملة بناسها وبنائها وحيواتها ووردها وطرقاتها وتاريخها!
السقوط كموت أخيك أو ابنك أو حبيبتك أو مشاعرك! هل يعودون؟! هل عندك أمل في رؤيتهم أو بقاء إحساسهم بك؟! أترى حين أفقأ عينيك وأثبّت مكانهما جوهرتين؟! هل ترى؟! هي أشياء لا تُشترى!
الله الله يا أمل دنقل، لقد بقيت وذهبوا، وأنا على الطريق ذاته!
وهكذا السقوط! حياة قضت نحبها، وحياة تقوم، لكن تلك التي قضت سمينا سقوطها انتصارا! يا لهذا الظلم ما أقساه، يا لهذا الإنسان العاشق للتوحش وحياة الغاب! أين يعيش، ماذا يأمل، وماذا يريد؟!
الحمد لله، سقطت الموصل، وانتصرنا على الإرهاب، وسقطت بنغازي وانتشلناها من يد داعش! فرحنا بهذا، وسنفرح بسقوطات قادمة، لكننا لم نتأمل كيف سقطتا؟!، وما معنى السقوط؟! وكيف سيسقط غيرها، وكيف سنسقط كلنا؟!
إنني فقط أتأمل وأقرأ، وأحاول استكناه كم نحن حقيقة بشر ساقطون!
لا حل لدي ولا سؤال ولا إجابة ولا كلام ولا تفكير ولا نقاش، ولا….. ولا شيء!
فراغ يسبح في فراغ، فقط أردت أن أبكي بين يديكم اليوم! أبكي فرحا وحزنا ولا أدري….!

نقلا عن الوطن