ظلامية التطرف الإلحادي والديني

ظلامية التطرف الإلحادي والديني

التطرف الديني له دور كبير في نشوء الإلحاد عند الغالبية كردة فعل نفسية ناشئة من الحدية والتزمت الديني والاجتماعي

لماذا يقتصر ربط التطرف بالأديان عموما، ويتجه لدين الإسلام على وجه الخصوص، بينما هناك توجهات إيديولوجية أخرى تمارس التطرف بصور مختلفة؟!
تعارف المجتمع الدولي على أن ظاهرة التطرف لها ارتباط وثيق بالعقائد الدينية، ولأن الجماعات الإسلامية المتطرفة كان لها الجلبة والكر والفر في عالم العولمة والإعلام الجديد، انطبع في الذهن الجمعي متلازمة التطرف والإسلام.
بالنظر للنصوص الدينية نجدها تعبر عن التطرف بالغلو. في الحديث الشريف «إياكم والغلو في الدين، فإنما هلك من قبلكم بالغلو في الدين». الهلاك يشمل الدين والدنيا، وهو تعبير عن ارتكاب غلو جسيم، وهو المعروف بالتطرف حاليا، أدى ذلك الغلو إلى هلاك من قبلنا. وهل المراد بلفظ «من قبلكم» في الحديث المسيحية أم جميع الأديان السابقة؟.
يتضح الأمر في الآية الكريمة { قل يا أهْل الكتابِ لا تغْلوا في دينكم غيْر الحقِّ ولا تتَّبِعوا أهواء قومٍ قدْ ضلُّوا مِنْ قبل وأضّلُّوا كثيراً وضلُّوا عن سواءٍ السّبيل }. والخطاب (يا أهل الكتاب) عام لليهود والنصارى مما يدل على أن الغلو فيهم وفي أسلافهم أيضا.
غير أن الغلو والتطرف لا يقتصران على العقائد الدينية، فهما يمتدان إلى التطرف السياسي والاجتماعي والثقافي، فضلا عن التطرف المغاير للتطرف الديني كالتطرف اللاديني والإلحادي.
الفكر اللاديني، وكذلك اللاأدري له اتصال بالفكر الإلحادي رغم التفاوت في بعض المفاهيم. فكل ملحد هو لا ديني، بينما اللاديني قد يكون مؤمنا بوجود الخالق، لكنه لا يؤمن بالرسالات السماوية، فهو حالة متوسطة بين الإيمان والإلحاد، بينما اللاأدري أو اللاأدرية فكر يتوقف عن وجود الخالق، حيث لا يؤمن ولا يكفر.
اللافت في التطرف الديني والإلحادي أن أحدهما مرتبط بالآخر أو سبب له في حالات عديدة كما تشير كثير من التحليلات.
في ندوة عقدت في الأزهر يونيو 2015 قال الدكتور محمد سالم عميد كلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر «إن التطرف في الخطاب الديني من قبل الجماعات الإسلامية التي لا تعطي مساحة للعقل يعد من أهم أسباب الإلحاد في مصر».
فالتطرف الديني له دور كبير في نشوء الإلحاد عند الغالبية كردة فعل نفسية ناشئة من الحدية والتزمت الديني والاجتماعي. كثير من هؤلاء نشؤوا في بيئات دينية متشددة، وبعضهم درس على يد مشايخ، ومنهم خريجو دراسات إسلامية، تحول إلى الطرف الآخر المتطرف لأن عقليته تشكلت على الحدة والتعصب والصرامة.
كذلك، فإن الاستبداد الديني له دور فاعل في التنفير من الدين لاسيما حين يكون من سلطة دينية مقدسة تمارس العنف والاستبداد.
حالات إلحادية أيضا كان سببها الشعور بأن الشخص عاش مخدوعا على يد النسق الفقهي والوعظي الذي صور له (الحقيقة المطلقة) في مسائل كثيرة، ثم اكتشف لاحقا أن تلك الحقائق، التي غُذي بها فكرياً، ليست كذلك بل هي قضايا خلافية، تنازع عليها الفقهاء أنفسهم قديما وحديثا، لينكشف له كذب وتضليل من وثق بهم وسلم إليهم عقله ومسيرة حياته مما ترتب عليه، على المستوى الشخصي والعائلي والاجتماعي، خسائر مادية ومعنوية ونفسية فادحة لا يمكن تعويضها.
وفي حالات مضادة، كانت موجة الإلحاد العالمي والتعدي على مقدسات المسلمين وحرماتهم على مستوى الأفراد أو المؤسسات الرسمية سببا في الغلو والتطرف من قبل بعض المسلمين. في تصريح سابق للملك سلمان عام 2015 أكد فيه أن التصعيد الخطير في المسجد الأقصى والاعتداء السافر على المصلين يمثلان انتهاكاً صارخاً لحرمة الأديان، ويسهمان في تغذية التطرف والعنف في العالم أجمع.
نشر الكراهية والعنصرية والاستفزاز ضد المسلمين، والرسوم الساخرة للنبي الكريم، صلوات الله عليه، وتدنيس القرآن الكريم، وانتهاك الحريات الشخصية في المعتقد لمحجبة أو منقبة أو ملتح أو رمي التهمة لشخص بسبب أنه مسلم، في بلدان تتبنى حماية الحريات، مدعاة لتأجيج بؤر التوتر ونشوء التطرف والكراهية والأعمال الإرهابية كردة فعل غير مشروعة ولا مبررة، بالتأكيد.
من المفارقات، التقاء التطرف الديني والتطرف الإلحادي في بعض النقاط. فهما فكران ظلاميان ولا شك. يلتقيان أيضاً في الجهل المطْبق بدين الإسلام النقي. يُلاحظ أن الإقصاء هو العامل المشترك بين الفكرين، فهما يقصيان المسلم المعتدل الوسطي. فالمتطرف الإسلامي لا يطيق أن يرى المسلم الوسطي، حتى صلاته، يراها صلاة فاسق زنديق! والمتطرف الإلحادي كذلك، يعتبر التمسك بالحد الأدنى من الدين كالصلاة مثلا، ضرباً من التخلف والتشدد.
غير أن الوسطية تبقى هي الحل الأمثل، رغم أنف التطرف بأشكاله.

نقلا عن الوطن