الرئيسية / سقوط المتاع الزائف تحت تحولات الاقتصاد الوطني

سقوط المتاع الزائف تحت تحولات الاقتصاد الوطني

سقوط المتاع الزائف تحت تحولات الاقتصاد الوطني

بقلم : عبدالحميد العمري

يعلو كثير من التساؤلات الحائرة في ذهنية عديد من الأطراف ذوي العلاقة بالقطاع الخاص تحديدا، وبمجريات أنشطة الاقتصاد الوطني عموما، حول الآثار المحتملة للتحولات الجارية خلال المرحلة الراهنة في هيكلة الاقتصاد الوطني، وهي تحولات كثيرة جدا، عدا أنها تضرب في عمق أغلب، إن لم يكن كل متغيرات الاقتصاد والمجتمع على حد سواء.
يشترك في تلك التساؤلات العديدة الفرد العامل والتاجر ورجل الأعمال والباحث عن عمل والمتقاعد وكل الأطياف الاجتماعية على اختلاف مواقعها. كل يحاول فهم واستيعاب ما يجري أمامه من متغيرات وتحولات متسارعة، وفقا للأرض التي يقف عليها. صاحب الأراضي والعقارات يجاهد لاستيعاب ما اختلف عليه اليوم، مقارنة بعقود مضت كان لا يسأله أحد ماذا اشترى وماذا باع؟ يجد نفسه مطاردا من الأجهزة الحكومية، لحثه على تطوير المساحات الشاسعة من الأراضي التي بحوزته، أو التخارج منها لمصلحة غيره ممن لديه القدرة على تطويرها، وضخها في جانب الانتفاع منها سكنيا أو تجاريا، أو أنه سيدفع رسوما لا قبل له بها.
وصاحب الأعمال الصغير منها والمتوسط والكبير، الذي كان إلى وقت قريب يجد نفسه أمام بوابة واسعة للاستقدام دون قيد أو شرط، أصبح في منطقة لا يحسد عليها، تحت شروط وإجراءات توطين ما لديه من فرص عمل، كانت ولا تزال في قبضة الملايين من العمالة الوافدة المهاجرة، على حساب أبناء الوطن من العاطلين والعاطلات، إما أن يلتزم بالمتغيرات الجديدة، أو أن يتحمل تكلفة استدامة ما كان عليه من تشوهات لم يعد مقبولا أبدا أن تبقى على ما كانت عليه.
متاع زائف أخرجه لاقتصادنا ومجتمعنا المعاصر، تشوهات تراكم وجودها على كاهل الجميع، وأصبح لزاما أن تسقط نتيجة التحولات والإصلاحات الاقتصادية الراهنة، وبسقوطها والقضاء عليها، لا بد أن تكون أولى النتائج هي سقوط ذلك المتاع الزائف، ولن يحمل أحد في قلبه حسرة وندامة عليه، إلا من كان منتفعا منه دون غيره من الأطراف، في الوقت الذي كان الاقتصاد والمجتمع يتحملان كثيرا من الخسائر والنزيف المالي والاقتصادي غير المبرر.

لماذا كل هذا؟ أثبتت الوقائع والتحديات الراهنة، استحالة استدامة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي المنشود، بالاعتماد فقط على مداخيل مورد ناضب كالنفط، وأن احتياجات وتطلعات الاقتصاد والمجتمع الراهنة ومستقبلا، أصبحت تفوق كثيرا ما يغدقه النفط من دخل على الاقتصاد، هذا أولا. ثانيا: إن الأوضاع العتيقة السابقة للاقتصاد طوال خمسة عقود مضت، كما أنها أنتجت إيجابيات عديدة تنمويا واقتصاديا واجتماعيا، إلا أنها أيضا أفرزت تشوهات بالغة الخطورة، وأظهرت مؤشرات الاقتصاد عبر العقود الخمسة الماضية، تضاؤل الإيجابيات مقابل تصاعد التشوهات عقدا بعد عقد، الذي اقتضى بدوره ضرورة قصوى لإجراء تغييرات وإصلاحات جذرية هيكلية للاقتصاد، تستهدف وضعه على طريق آخر أكثر أمانا واستقرارا، ستتصاعد نتائجه الإيجابية على الاقتصاد والمجتمع عاما بعد عام، وصولا إلى نهاية مرحلة التحولات بعد عقد من الزمن من تاريخ اليوم. إنه طريق بالغ الأهمية للتحول والإصلاح وإن حمل ذلك في بدايته بعض المشاق على الجميع، إلا أنه سيكون أخف وطأة بدرجات كثيرة من وطأة النتائج المريرة لنهاية الطريق القديم، المعتمد بدرجة كبيرة جدا على دخل النفط فقط!

لم يعد غائبا على أحد منا ما يواجهه اقتصادنا ومجتمعنا من تشوهات تنموية راهنة، تحولت إلى تحديات جسيمة تعوق تقدم التنمية الشاملة لدينا، بدءا من ارتفاع معدلات البطالة، وتفاقم أزمة الإسكان، وتعثر تنفيذ المشاريع التنموية، وتلوث كثير من الأعمال برزايا الفساد المالي والإداري وأشكال الاحتكار والتلاعب بالأسعار والتستر والغش التجاريين، وتأخرنا في تنويع قاعدة الإنتاج المحلية، وغيرها من التشوهات المعيقة لأي اقتصاد ومجتمع. تجدر الإشارة هنا؛ إلى الخطأ الفادح الذي وقع فيه عديد من الأفراد والمؤسسات، باعتقاد أن ارتفاع معدلات البطالة أخيرا، وتباطؤ النمو الاقتصادي وغيرها من المؤشرات العكسية، أنها نتجت عن التحولات الراهنة! بينما هي في الحقيقة ليست إلا نتيجة لتفاقم تشوهات إفراطنا في الاعتماد على النفط، وما ترتبت عليه تلك الأوضاع والتشوهات السابقة من تشكل راهن للقطاع الخاص، أفرط في الاعتماد على إنفاق وتحفيزات الحكومة من جانب، ومن جانب آخر الاعتماد المفرط على استقدام العمالة الوافدة، ما أنتج بدوره في الأغلب منشآت ذات أرضية هشة، لم تتجاوز مساهمتها في تنويع قاعدة الإنتاج سقف 12 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وتوطين وظائفها بما لا يتجاوز 15 في المائة، وما ترتب عليه لاحقا من تفاقم أشكال الاحتكار والمضاربات في كثير من قطاعات الاقتصاد الوطني، كان أبرزها القطاع العقاري (الأراضي غير المستغلة تحديدا)، وما نتج عنه من ارتفاع هائل في تكلفة الإنتاج على بقية منشآت القطاع الخاص، إضافة إلى ارتفاع تكلفة المعيشة على أفراد المجتمع دون استثناء.
إننا في طريق التخلص من تلك التشوهات، وما نتج عنها من تحديات تنموية جسيمة جدا، وليس كما يظن كثيرون أنها نتائج للتحول الاقتصادي المنشود، والتأكيد هنا على أن أي تحولات هيكلية لأي اقتصاد سيصاحبها دون أدنى شك كثير من الآثار العكسية قصيرة ومتوسطة الأجل، سرعان ما ستبدأ في التحسن تدريجيا بعد تكيف الاقتصاد والمجتمع ومختلف مكوناتهما مع تلك الإصلاحات. إن ما يجري اليوم من تحولات هيكلية للاقتصاد الوطني، تشبه إلى حد كبير جدا جسدا أحاطت به الشحوم في جميع مناطقه، وأصبح يعاني كثيرا الوزن الزائد، ثم بدأ في التخلص من تلك الشحوم بممارسة الرياضة، ولا شك أنه سيعاني كثيرا في بداية الأمر، إلا أنه في نهاية الأمر سيجني جسدا رياضيا نشيطا، خاليا من الوزن الزائد. والله ولي التوفيق.

نقلا عن الاقتصادية



التعليقات


ملاحظة:لايسمح بالتعليق بعد مرور48 ساعة على نشر المحتوى

3 - ابوفيصل
2018-03-16 05:23:04
الله يعينك يادكتورعلى ابو 200 اخر الشهر وابو شاهي تلقيمة الى الان ماهوب مستوعب
لا يعجبني(2) اعجبني(1)
2 - محمد
2018-03-15 19:14:21
ثقافتك الاقتصاديه هزيله وغير واقعيه . عندما يذهب التاجر لن يخرج تاجر أخر . وليس لدينا عصا سحريه نتحول أقتصادنا الى أقتصاد دوله صناعيه حتى لو بمقدار 12% . التنظير سهل والواقع شيئا أخرأكثر غموضا .
لا يعجبني(0) اعجبني(4)
1 - عبدالله مفرح
2018-03-14 10:49:30
لا زال إنتاجنا من النفط كما هو ، والنمو يتباطأ رغم أن عجلة الإصلاح بدأت تسير. ووطأة التغييرات على القطاع الأوسع من الناس تثقل كواهلهم . إن ضبابية المشهد لا يكفي لإزالتها تنظير أكاديمي بحت
لا يعجبني(1) اعجبني(0)

أضف تعليق
كاريكاتير
X