الرئيسية / الطلاق المبارك

الطلاق المبارك

الطلاق المبارك

بقلم : فهد الأحمري

فصل الثقافة عن الإعلام قرار تاريخي طموح، ومطلب قديم انتظره كثير من المثقفين السعوديين، لكنه جاء في وقته، حيث يعيش البلد مرحلة حيوية جديدة تشع بالتغييرات النوعية، والعمل الجاد في كثير من الجوانب، منها الأعمال الإعلامية والثقافية، الأمر الذي يتطلب فصل الوزارتين عن بعضهما، لتتمكن كل وزارة من التركيز على مهامها الموكلة بها.
الثقافة تضرب في عمق تاريخ المجتمعات والدول، بينما الإعلام من المتغيرات التي تعتمد على الحضور الآني ومواكبة الأحداث، الأمر الذي أضر بالشق الثقافي في الوزارة على امتداد عهدها الماضي، لكون اهتماماتها منصبة في جانب الإعلام وأحداثه وتقنياته ومتغيراته، والتي تهطل كوابل السماء أو كطلق الرصاص.
ومن أدلة عدم توازن جانبي الإعلام والثقافة في الوزارة، أنه سبق وطالب أعضاء في مجلس الشورى باستدعاء وزير الثقافة والإعلام في فترة سابقة، وانتقدوا أداء وزارته في الشأن الثقافي الذي ينعدم فيه التوازن بين الجانب الثقافي والجانب الإعلامي، بسبب أولوية الإعلام لدى الوزراء المتعاقبين على الوزارة.
الفصل بين الوزارتين، رغم تأخره إلا أنه يزف بشارة تستحق الاحتفاء، وستكون انطلاقة حقيقية للإبداع الثقافي والفني، بعد أن تم عزلها عن الإعلام، الأمر الذي يمكّنها من استقلالية الهوية، ويساعد على انفتاحها نحو اتجاهات متعددة، وليس مجرد كتاب وقصة وقصيدة.
يتضح في رؤية 2030، اهتمام لجانب الثقافة بأنواعها المختلفة كالأدب والموروث الحضاري والثقافي والفنون والمسرح والسينما والمتاحف وغيرها، مما يتطلب تكثيف الجهود في هذا الشأن، ولا يتحقق ذلك إلا باستقلالية تامة للثقافة، لا سيما والمرحلة تتطلب التخصص الدقيق ودقة التصويب باتجاه الأهداف.
في وطن أشبه بالقارة، غني بالثراء الثقافي المتنوع، والذي يعد قوى ناعمة هائلة جدا، تتمثل في جوانب الموروث الإسلامي والأدبي والثقافي الذي لم يتم إعماله واستغلاله بالشكل المطلوب. هذا الإرث الثقافي ممتد حتى لما قبل عصر الإسلام، لكنه للأسف لم يُقدم بالشكل الذي يستحقه ويليق بالوطن، رغم أن بلدنا يعدّ جذر العروبة وأس ثقافتها على مدى العصور.
الذي ينتظره المثقفون من معالي الوزير الجديد، غربلة واسعة، تشمل تحويل ثقافتنا العريقة إلى منتج يقدم للعالم، والعمل على تحسين الخطاب الثقافي، وإعادة تشكيل وعي المجتمع ثقافيا، ليتوافق مع النقلة الجديدة، والمكانة العظمى للسعودية الجديدة، وانتشال الأندية الأدبية من الهزال الذي تعيشه.
أتمنى من الوزير، في أول عمل يقوم به معاليه، إنشاء مراكز ثقافية فنّية في أحياء المدن الكبرى والصغرى، تستقبل المواهب بشتى أشكالها، وتصقل مهاراتهم، وتفجر طاقاتهم وإمكاناتهم. تعمل هذه المراكز على إقامة دورات تعليمية متعددة في الكتابة والتمثيل والموسيقى، وغيرها من المهارات.
لقد آن للثقافة أن تُعنى بشؤونها بشكل مستقل، لتعمل على تحسين روح المجتمع ورفاهه، وتكون رافدا اقتصاديا للوطن، فضلا عن تحسين صورته دوليا، بما يتناسب مع المكانة السعودية وثقلها على مستوى العالم.
إلى الأمام يا وطن.

نقلا عن الوطن



كاريكاتير