انتظر الإفلاس .. إن لم تفهم إصلاح بيئة الأعمال

انتظر الإفلاس .. إن لم تفهم إصلاح بيئة الأعمال

انتشر سابقا، وعبر عقود طويلة في بيئة الأعمال المحلية، كثير من أنماط النشاطات التجارية والصناعية والخدمية، بدت في انحرافاتها المبكرة صغيرة الضرر، سرعان ما تفاقمت أضرارها ومساوئها الوخيمة في فتراتها المتوسطة والمتأخرة، تحولت تحت غياب أو ضعف الرقابة عليها إلى أوكار للتستر والغش التجاريين، وتسببت في طرد كثير من المنافسين الوطنيين، وفي حرمان الاقتصاد الوطني وبيئة الأعمال المحلية من كيانات وطنية، كان مفترضا أن تنجح تجربتها، وأن تسهم في إيجاد فرص استثمارية محلية تجتذب مزيدا من رؤوس الأموال، وأن تسهم أيضا في إيجاد مئات الآلاف من فرص العمل أمام الباحثين عنها من المواطنين والمواطنات، إلا أن كل ذلك تعثر وسقط إما في بداية طريقه أو حتى قبل منتصف الطريق، وساد على أثره منطق “السلعة الرديئة تطرد السلعة الجيدة”.

لعل من أشهر وأوسع أنماط النشاطات التجارية والخدمية، التي انتشرت كالنار في الهشيم سابقا، تلك التي وقعت وتورطت في مخالفة التستر التجاري، وسلم “ملاكها” بالاسم زمام كل الأمور إلى الوافدين، منتظرين أولئك الملاك “فتات” الأموال التي تدفع إليهم بانتظام نهاية كل شهر، ورغم أنها قد تصل إلى مئات الآلاف أو عدة ملايين بنهاية العام، إلا أنها تظل “فتاتا” مقارنة بعشرة أضعاف حجمها، التي يحصدها العمال المتستر عليهم تحت كفالتهم، ويتم تحويلها إلى خارج البلاد تحت نظر وعلم أولئك الملاك! ولأن ارتفاع عائد “الفتات” للمتستر، أصبح مرتبطا في الغالب بأعداد العمالة الوافدة تحت كفالته، كان لا بد أن تزداد أعداد العمالة الوافدة ليزداد عائد “الفتات”!
وهو ما حدث بالفعل خلال العقدين الماضيين بصورة مفرطة، قفزت أعداد العمالة النظامية خلال نحو عقد زمني بأكثر من 113 في المائة بموجب البيانات الرسمية، وبحال تمت إضافة العمالة المخالفة وغير النظامية، فإن الزيادة تجاوزت 233 في المائة، لتكتظ على أثره سوق العمل المحلية بالملايين من العمالة من خارج الحدود، ومئات الآلاف من المتستر عليهم، فلا عجب بعدئذ ألا تجد موطأ قدم لاستثمار وطني خال من التستر في تلك النشاطات المسيطر عليها من التستر التجاري، ولا عجب أيضا ألا تجد أي بصيص أمل بتوظيف العمالة الوطنية، ولا عجب أن تجد السوق المحلية قد أغرقت بكثير من السلع والمنتجات المغشوشة، ذات الآثار الخطيرة صحيا وبيئيا وعلى المستويات كافة، ولا عجب أيضا أن تجد التسرب المالي إلى الخارج عبر التحويلات النظامية فقط للعمالة الوافدة قد تجاوز 1.1 تريليون ريال خلال العقد الزمني نفسه، والله أعلم كم تبلغ التحويلات غير النظامية الممولة من نشاط التستر التجاري، التي كما يبدو أنها لن تأتي بأي حال من الأحوال بأقل من حجم التحويلات النظامية، وهو الأمر المفجع والمؤلم جدا أن تجاوزت تلك التحويلات مجتمعة سقف التريليوني ريال خلال عقد زمني واحد! أمام هذه التحديات التنموية الجسيمة، التي لا شك حتى بنسبة 1 في المليون أنها لابد أن تترك آثارا وخيمة وخطيرة على الاقتصاد الوطني وبيئة الأعمال المحلية والمجتمع، كان لابد من أن تتخذ الدولة – أيدها الله – موقفا حازما وصارما تجاهها، وأن تبدأ الأجهزة الحكومية ذات العلاقة المباشرة وغير المباشرة بها، بالعمل المكثف والمتكامل لأجل القضاء على أية أنماط مخالفة لإدارة الأنشطة التجارية والصناعية والخدمية في بيئة الأعمال المحلية، وهو ما شهدنا جميعا أجزاء منه تحت مظلة “رؤية المملكة 2030” وبرامجها التنفيذية، ولهذا كان من النتائج الطبيعية جدا، أن يتهاوى ويسقط عديد من المنشآت المخالفة، تحت مقصلة الإصلاحات الاقتصادية الراهنة! عند هذه النقطة تحديدا؛ المتمثلة في سقوط تلك المنشآت المخالفة، لابد من الحذر الشديد تجاه عديد من الأصوات المناشدة بضرورة حماية تلك المنشآت من السقوط والإفلاس! التي لا يعلم هل تعي هذه الأصوات مخاطر ما تنادي به؟ وهل تعلم أم لا على ماذا قامت عليه تلك المنشآت المخالفة جملة وتفصيلا؟ وهل تدرك أم لا المساوئ الخطيرة اقتصاديا واستثماريا وماليا واجتماعيا لوجود وانتشار مثل تلك المنشآت المخالفة على حساب ما كان مفترضا وجوده كمنشآت وطنية، يخدم وجودها فعليا الاقتصاد والمجتمع؟ ودون النظر إلى الأسباب الفعلية لما تطالب به، إلا أن نظرتها القاصرة للتغيرات الراهنة، وتركيزها فقط على الفصل الأخير من المشهد الإصلاحي لبيئة الأعمال، دون أن تنظر إلى الواقع الذي كانت عليه تلك المنشآت المخالفة، المكتظة بكثير من تشوهات التستر والغش التجاريين، ودون أن تأخذ في الحسبان المساوئ والآثار الوخيمة التي خلفتها اقتصاديا واجتماعيا.
يؤكد كل هذا أن مجرد الاستماع إلى تلك المناشدات يمثل خطأ جسيما، لا يقل خطره عما وصلنا إليه من مخاطر نتجت عن وجود وانتشار مثل تلك المنشآت المخالفة، وأنها مناشدات قصيرة النظر وفي غير محلها، لم تدرك أنها تنادي باستدامة حياة آفات اقتصادية واجتماعية، ثبتت للجميع الأضرار الوخيمة لوجودها في بيئة الأعمال المحلية، عدا أن بقاءها حسبما تنشد تلك الأصوات، يمثل أحد أكبر مهددات نجاح مشروع الإصلاحات الاقتصادية الراهنة، ممثلا في “رؤية المملكة 2030” وبرامجها التنفيذية.

ختاما؛ سيكون إيجابيا أن تكثف الأجهزة الحكومية ذات العلاقة بتلك الإصلاحات الاقتصادية المباركة، وتزيد بدرجة أكبر مما قامت به حتى تاريخه من جهودها على مستوى التوعية المجتمعية، تجاه أهمية ما تقوم به وتنفذه من برامج إصلاحية، وأن تدخل في حوار مباشر وجريء مع مختلف الشرائح، عبر مختلف وسائل الإعلام والتواصل المعاصرة، والعمل على إشراك أكبر شريحة ممكنة من ذوي العلاقة في بيئة الأعمال المحلية، في كل ما يمكن إشراكهم فيه على مستوى تصميم وتنفيذ برامج الإصلاحات الاقتصادية، وأن تؤكد للجميع دون استثناء أننا أمام خيارين لا ثالث لهما؛ إما القبول بسقوط برامج الإصلاحات الاقتصادية الراهنة، والسماح ببقاء وحياة تلك الكيانات السامة التي امتصت خيرات البلاد والعباد! وإما أن تمضي الإصلاحات المباركة قدما وصولا إلى أهدافها النهائية، دون النظر إلى إفلاس أو سقوط تلك المنشآت السامة، والأخذ في الحسبان أنه سيحل محل تلك المنشآت البائدة منشآت وطنية أخرى، ينتظر أن يثمر وجودها نفعا ونماء مباركا على الاقتصاد والمجتمع، وأن تلك المنشآت تحديدا هي التي تستحق في بداية عمرها كل الدعم والرعاية من الأجهزة الحكومية ذات العلاقة.
والله ولي التوفيق.

نقلا عن الاقتصادية

التعليقات مغلقة.

لا يوجد تعليقات

  • 2
    ابو مهند

    سلمت يمينك – هذا الكلام لن يعجب المتسترين واعداء الوطن ولكن القافله تسير للقضاء على هذه الأفه وستنجح باذن الله

  • 1
    غير معروف

    بربرة واجد