حتى لا يكون التضخم العقاري عائقا للنمو والاستقرار

حتى لا يكون التضخم العقاري عائقا للنمو والاستقرار

أظهرت البيانات الرسمية الأخيرة حول أداء الاقتصاد الوطني، تحسن مؤشراته بشكل إيجابي، ويؤمل أن تستمر مستقبلا في تصاعد وتيرة أدائها الإيجابي، بدءا من النمو الحقيقي للاقتصاد المتوقع وصوله من 2.5 إلى 2.7 في المائة بنهاية العام الجاري، مرورا بتراجع العجز في المالية الحكومية إلى أدنى من 3.5 إلى 3.6 في المائة، للحد من ارتفاع الدين العام الحكومي، وألا يتجاوز المعدلات المقبولة عند 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وعودة نمو توطين الوظائف في القطاع الخاص إلى معدلات أعلى من 6.0 إلى 8.0 في المائة سنويا في الأجل القصير، وارتفاعها لاحقا إلى أعلى من 10.0 إلى 12.0 سنويا في الأجلين المتوسط والطويل، ذلك أنها تراجعت خلال الربع الثاني إلى 3.8 في المائة سنويا، ما منع من خفض معدل البطالة دون مستوى 12.9 في المائة، وكانت قد تجاوزت 6.2 في المائة ونسبة 6.1 في المائة بنهاية الربع الرابع من 2017 والربع الأول من 2018 على التوالي.

لماذا يتم التركيز خلال المرحلة الراهنة على “التضخم العقاري”؟ يحدث ذلك كونه يشكل أكبر التحديات على المستويات كافة، أمام الحراك الاقتصادي المحلي، وأمام التحسن المأمول على مستويات المعيشة بالنسبة لأفراد المجتمع.

يشكل “التضخم العقاري” ممثلا في الغلاء الكبير لأسعار الأراضي والعقارات، وفي الغلاء القائم على تكلفة الإيجارات السكني والتجاري على حد سواء، أحد أخطر المعوقات إن لم يكن أولها، أمام منشآت القطاع الخاص كافة، وأمام أفراد المجتمع دون استثناء، الذي أسهم انخفاضه المحدود خلال الفترة 2014 – 2018 بمعدلات راوحت بين 20 و30 في المائة، في تقليل الضغوط المالية والاقتصادية على كاهل الاقتصاد والمجتمع، ما أسهم بدوره في الدفع بمعدلات نمو الاقتصاد الوطني إلى الأعلى، وخفف من الضغوط المعيشية على كاهل المجتمع، إلا أن تلك المعدلات من الانخفاض في مستويات الأسعار والإيجارات المتضخمة، لا تعد كافية بالقدر المأمول أن تصل إليه من الانخفاض، مقارنة بوتيرة الصعود الهائلة التي أفرطت فيها خلال الفترة 2006 – 2014، والضرورة القصوى لعودتها إلى المستويات السعرية العادلة، التي لا يترتب عليها إلحاق الضرر بالأداء الاقتصادي المحلي، وبمستويات المعيشة بالنسبة للأفراد والأسر.

في ظل استمرار ارتفاع “التضخم العقاري” لا يمكن لمنشآت القطاع الخاص أن تمتلك القدرة على التكيف مع نتائج الإصلاح الاقتصادي الراهن، الذي يستقطع قدرا كبيرا من تكاليف التشغيل والإنتاج ضمن ميزانياتها السنوية، ما يشكل بدوره ضغطا ماليا كبيرا على كاهلها، سيضعها في موقف أكثر صعوبة تجاه الدور المأمول لها أن تقوم به، على مستوى الزيادة المأمولة منها تجاه مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد الوطني، وزيادة دورها تجاه تعزيز وترسيخ النمو الاقتصادي، إضافة إلى زيادة قدرتها على توظيف العمالة الوطنية، ومنحها الأجور المناسبة، هذا عدا ما يشكله “التضخم العقاري” كمعوق غير مقبول، سواء أمام التوسع المأمول لنشاطات وأعمال منشآت القطاع الخاص، أو أمام تأسيس منشآت جديدة في القطاع الخاص، سينتج عن حدوثها ووجودها عديد من المنافع والفوائد على المستويات كافة، تنمويا واقتصاديا.

ويزداد الأمر أهمية بالنسبة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة، والحديث هنا عن المنشآت المجدية منها تحديدا، التي لم تتورط في أشكال التستر التجاري وغيره من المخالفات النظامية، وما تمثله كنواة لمنشآت يؤمل أن تنجح مستقبلا، وأن تتحول إلى منشآت أكبر حجما واستثمارا، يؤمل أن تضطلع بأدوار أكبر وأوسع على مستوى النمو الاقتصادي والتوظيف وتنويع قاعدة الإنتاج المحلية.

كلما انخفضت تكلفة الامتلاك أو الإيجار على منشآت القطاع الخاص، زادت قدرتها بدرجة أكبر على المساهمة في تعزيز الاستقرار والنمو الاقتصادي، وزادت قدرتها على توطين الوظائف، والحد بالتالي من مخاطر البطالة بين المواطنين والمواطنات.
كما أن البند المتعلق بأسعار أو إيجارات العقارات الذي ينعكس أثره مباشرة على ربحية منشآت القطاع الخاص، يعد البند الأفضل والأنسب للعمل على خفضه دون أي تكلفة تذكر على كاهل الاقتصاد الوطني، والمتضرر منه – إن تم القبول نظريا بمسألة الضرر – لا يتعدى أطرافا محدودة العدد والحجم، لو تمت مقارنة ما حصدوه من عوائد مقارنة بالتكلفة عليهم، فقد تقف أمام عوائد وأرباح قياسية لم يسبق لها مثيل، يعد استمرارها على ما هي عليه أحد أكبر التداعيات السلبية على الاستقرار الاقتصادي والمالي، يكفي الإشارة هنا إلى ما قد تمثله من سبب في انقضاء حياة مئات الآلاف من منشآت القطاع الخاص، وما سيليه من انعكاسات تنموية اقتصادية واجتماعية.

أيضا في ظل استمرار “التضخم العقاري” من جانب أفراد المجتمع، سواء على مستوى صعوبة تملكهم لمساكنهم، أو على مستوى تحملهم لأعباء الإيجارات المكلفة جدا مقارنة بمستويات دخلهم، فكلا الجانبين يحملان كثيرا من المساوئ الكبيرة والمؤلمة تنمويا واجتماعيا.
يكفي القول هنا، إن تكلفة الخروج من أزمة تملك المساكن، وفقا لما وصلت إليه في المرحلة الراهنة، ستكبد الاقتصاد والمجتمع تريليونات الريالات، هذا في حال نجحت المساعي في توفير التمويل اللازم للقيام بتلك العملية، وهو ما يعد أمرا صعبا وفق الأوضاع الراهنة ماليا واقتصاديا، كما يعني تحمل تلك التكلفة الباهظة جدا، أن يتورط الكثيرون في تحمل مديونيات هائلة جدا يفوق حجمها عدة تريليونات من الريالات، والدخول بالاقتصاد الوطني والمجتمع على حد سواء في أنفاق بالغة التعقيد، ممتلئة بصورة لا تحتمل من التحديات والمخاطر التي لا قبل لأي اقتصاد أو مجتمع بها.

إنه فارق كبير بين أن تتجاوز أزمة تملك المساكن المحلية بوضعها الراهن، بتكلفة لا تتجاوز 0.5 تريليون ريال كأحد الخيارات المناسبة والمتاحة أمامنا جميعا، وبين أن تخوض ذات الطريق والتحدي بتكلفة قد تتجاوز 3.0 إلى 4.0 تريليونات ريال، وما سينتج عنه من تحديات ومخاطر متعددة. وللحديث بقية، بمشيئة الله تعالى.

والله ولي التوفيق.

نقلا عن الاقتصادية