ثقفنة العسكرة وتجاوز المحلية

ثقفنة العسكرة وتجاوز المحلية

بعد تجربة الجنادرية المديدة، وفي ضوء المتغيرات، بمقدورها التحول لموقع حضاري تنويري يدفع باتجاه تلاقح الثقافات من خلال منتدى عالمي سنوي يتناول القضايا الكبرى والمُلحة وهي مهمة ليست مستحيلة طالما توفرت الإرادة..

في ظل ما تعيشه بلادنا من انفتاح وحراك وتفاعلات، يأتي مهرجان الجنادرية ليبث رسالته الحضارية من تسامح وتعايش وإغناء للتجارب الثقافية والتواصل مع الشعوب عبر قواسم مشتركة. وإن كان كل مشروع فكري يسعى للارتقاء بالمجتمع علماً ووعياً وذائقة فإن الجنادرية جسدت ذلك على الأرض، فالمهرجان يحترم عقل المتلقي ويضع التاريخ في مكانه الذي يليق به، مزاوجا بين المتناقضات ليجعل للحاضرين حرية الاختيار والقرار. بعبارة أخرى يتفاعل مع نبض الحدث ويفتح الباب للعصف الذهني جالباً كل الأطياف والأصوات والرؤى دون تحيز لهذا الطرف أو ذاك. عندما تتأمل أسماء الضيوف الزائرين، تجدهم يأتون من مشارب وأطياف ومدارس متنوعة وتشعر بأن المملكة تقف على مسافة واحدة من الجميع ويصل الاهتمام خلال تواجدهم بأن يستقبلهم خادم الحرمين ويرحب بهم ويصغي إلى ما يطرحونه من أفكار ورؤى.

الجنادرية التي تحتفل بعد غد الخميس بمهرجانها الثالث والثلاثين بحضور خادم الحرمين الشريفين، مازالت تضيء إشعاعها المعرفي والتراثي والثقافي نحو آفاق التنوير كمنجز حضاري مازال ينبض بالحياة منذ أكثر من ثلاثة عقود.

يتزامن ذلك مع توجه الدولة وعزمها على الشروع في الدخول إلى مرحلة تنموية كبيرة لمرحلة ما بعد النفط عناصرها الإنسان والأمن والرفاهية عبر إنتاج وعي ثقافي وتنموي مجتمعي. لحظات استثنائية تعيشها بلادنا مع رؤية تتأقلم مع الجديد وتتجاوز الهواجس. عندما تقوم مؤسسة عسكرية كالحرس الوطني بواجبها العسكري لا تنفك تكون حاضرة بدورها التثقيفي والتنويري، ولذا الانطباع المتعارف عليه حول سلوكيات أي جهاز عسكري هو الشدة في حين أن الحرس الوطني غيّر تلك المفاهيم السائدة باحتفائه بالثقافة. ذكرت سابقاً أنه تحول من كونه مهرجاناً متواضعاً شعبياً إلى محفل ثقافي ومنبر فكري تجاوز بهما المحلية مخاطباً العقل والوجدان ومشرعاً أبوابه لكل الأطياف.

صموئيل هنتنغتون صاحب نظرية صدام الحضارات يقول: “إن العوامل الثقافية أصبحت العدسات التي ينظر من خلالها الكثير من الناس للقضايا الدولية اليوم”. هنتنغتون كان أحد ضيوف الجنادرية وواحداً من مئات احتفت بهم الجنادرية حينما شرعت الأبواب للجميع وحتى ممن كان لهم مواقف معينة تجاه المملكة. صحيح أن الجنادرية عبارة عن تراكم فعاليات وأنشطة إلا أنها قد وصلت الآن لمرحلة النضج وبإمكاننا الاستفادة منها كما ينبغي. سبق أن ناديت بتجديد ثوبها الثقافي والفكري وتطويرها كمعلم حضاري عالمي ومعرفي عبر إنشاء منتدى سنوي يُطرح فيه قضايا يناقشها علماء ومفكرون ومختصون، وذلك بطرح مقاربات وقـراءات عقلانية للـواقـع الجـديـد للمنطقـة والعالم، وتلمس ملامـح المسـتقبل آخذاً علـى عاتـقه الحياديـة وبعيـداً عـن أي تحيّـز.

بمقدور الجنادرية الدفع بهذا الاتجاه كونها لديها مقومات تنطلق من رصيد تاريخي غني بالتراث والثقافة الأصيلة ومن سمات مجتمع له رسالة روحانية ومن تجربة ثرية لدولة تدعو للتعايش وحوار الحضارات والثقافات واتباع الأديان ناهيك عن ثقلها الدولي، وعمقها الإسلامي والعروبي.

في العالم تجد جهوداً لمؤسسات فكرية وثقافية وحقوقية، هدفها بلورة أفكار ورؤى للقضايا المختلف عليها لينتج عنها تواصلاً أنسانياً حضارياً وليس خلق صراعات وهذا ما دأبت عليه الجنادرية. الاقتراح ممكن التطبيق كون ما يميز الجنادرية هو في قدرتها على التجديد والتنوع والمواكبة فالمرحلة الراهنة تستدعي تعاطياً مختلفاً يتوازى والتحول الذي تعيشه المملكة.

موقعية الجنادرية كمكان ومسمى له رمزية حول تجربة وطن وثقافة شعب ما يعطي جاذبية للمقترح. منتدى فكري عالمي سنوي يُعقد في أرض الجنادرية من خلال ندوات وورش عمل ومحاضرات وجلسات نقاش على غرار منتديات عالمية مشابهة ويُركز على القضايا الفكرية والسياسية والاقتصادية العالمية. ومن المناسب أن يتناول محاور رئيسية للحوار من حقوق الإنسان وتعايش الثقافات وحوار اتباع الأديان مروراً بالعلاقات الدولية ودور المنظمات الدولية وتوازن القوى والقطبية وانتهاء بالمساعدات الإغاثية والإنسانية في الحروب والكوارث.

بعد تجربة الجنادرية المديدة، وفي ضوء المتغيرات، بمقدورها التحول لموقع حضاري تنويري يدفع باتجاه تلاقح الثقافات من خلال منتدى عالمي سنوي يتناول القضايا الكبرى والمُلحة وهي مهمة ليست مستحيلة طالما توفرت الإرادة.

نقلا عن الرياض