الرئيسية / العائلة التي ارتفعت وهبطت أكثر من غيرها

العائلة التي ارتفعت وهبطت أكثر من غيرها

العائلة التي ارتفعت وهبطت أكثر من غيرها

بقلم : فهد عامر الأحمدي

… في الخامس عشر من هذا الشهر استأنفت الطائرة “سولار إمبلس2” رحلتها حول العالم منطلقة من هاواي إلى كاليفورنيا لتكون أول طائرة تدور حول الكرة الأرضية باستعمال الخلايا الشمسية..

.. ولكن.. قبل أن أحدثكم عن الطائرة ورحلتها الفريدة دعوني أخبركم أولاً عن العائلة المدهشة التي تقف خلفها.. فأول مرة سمعت فيها عن عائلة بيكار السويسرية كان قبل 35 عاماً.. وهي عائلة جمعت بين العلم والمغامرة وصعدت وهبطت وطارت (بالمعني الحرفي للكلمة) أكثر من بقية البشر..

قرأت في سن الطفولة عن جدهم أوغست بيكار الذي ارتفع إلى آخر حدود الغلاف الجوي في عام 1932.. فقد قرر ببساطة اختبار الرواية الخيالية “خمسة أسابيع في بالون” للأديب الفرنسي جول فيرن فصنع كبسولة مكيفة الضغط ارتفع بها (من ساحة بلدية دوبَندورف السويسرية) الى علو 16201 متر..

.. وحين عاد بسلام شجعه هذا الإنجاز على تجربة العكس (النزول لأدنى نقطة في البحر) فصمم غواصته تدعى تريستا تتحمل ضغط المياه الهائل.. وفي عام 1935 سجّل أوغُست بيكار مع ابنه جاك بيكارد رقماً غير مسبوق بهذه الغواصة حين نزلا إلى عمق 3150 متراً في البحر التيراني غرب إيطاليا.. غير أن هذا العمق لم يكن كافياً لهما فصنعاً غواصة أكثر تحملاً نزلت الى عمق 11034 متراً داخل أخدود ماريانا الذي يعد أدنى نقطة في محيطات العالم.. ومنذ ذلك الحين لم يصل أحد إلى هذا العمق ولم يُكسّر أحد الرقم القياسي لعائلة بيكار (منذ 23 يناير 1960) وحتى يومنا هذا..

.. وفي عام 1964 بنى جاك (ابن أوغست الذي رافقه وهو صغير في النزول للأعماق) غوّاصة أبحاث فريدة تدعى “ميسوسكاب” يُمكنها السير فوق قيعان البحر كمدرعة صغيرة أطلق عليها اسم والده أوغُست بيكار.

في عام 1969، انطلق جاك بغواصة جديدة تدعى “بن فرانكلين” مع ستة عُلماء لدراسة تيار الخليج في المحيط الأطلسي (وهو تيار بحري قوي يصل بين أوربا وخليج المكسيك).. وخلال أربعة أسابيع قضوها تحت الماء ترك لتيار الخليج مهمة التلاعب بالغواصة (وكأنها بالون في مهب الريح) لرسم مساره بدقة أفضل.. وبالإضافة للنتائج الجغرافية؛ استفادت وكالة ناسا الفضائية من ملاحظاته النفسية التي سجلها على طاقم الرحلة لتحسين ظروف العمل في المختبرات الفضائية (حيث يعيش رواد الفضاء أيضاً في حيز صغير ومغلق لفترة طويلة)!!

… واستمر هوس جاك (الابن) بعالم البحار حتى لدرجة إنشاء مؤسسة خاصة بالحياة البحرية وشراء سفينة بحث تجوب بحار العالم.. وحين مات في سن ال86 توقع الجميع أن يسير ابنه برتران على خطى والده وجده في حب المغامرة وتحقيق إنجازات جديدة..

وبالفعل نجح برتران (حفيد أوغست) في الدوران حول الكرة الأرضية بمنطاد هواء ساخن دون توقف (رغم أنه تخرج كطبيب نفسي).. وكانت محاولته الثالثة هي الناجحة وبدأت في غرة مارس1999 من قرية شاتودي السويسرية وانتهت في صحراء مصر بعد عشرين يوماً قاطعاً مسافة 45755 كلم على ارتفاع 12 ألف متر..

وفي ذلك الوقت وعد برتران بأنه سيكون أول إنسان يلف العالم بطائرة شمسية قبل وفاته..

وبالفعل؛ في التاسع من مارس 2015 أقلعت الطائرة “سولار إمبلس2” من مطار أبو ظبي باتجاه الشرق (يقودها بالتناوب مع طيار آخر يدعى اندريه بوشبيرغ).. وفي ذلك الوقت أعلن برتران أن الرحلة قد تستغرق خمسة أشهر حول العالم ولكن الطائرة تأخرت في المحطات الآسيوية قبل أن تهبط مؤخراً في جزيرة هاواي ولم يبقَ لها سوى الوصول إلى كاليفورنيا لتحقيق هذا الإنجاز العلمي الرائع (الدوران حول الأرض اعتماداً على ضوء الشمس دون الحاجة للتزوّد بالوقود الاحفوري)..

وتحقيق هذا الحلم سيحسب بالتأكيد لعائلة بيكار، ولا يمكن حتى مقارنته بمغامرة جدهم أوغست التي قرأتها قبل 35 عاماً في كتاب “أعجب الرحلات في التاريخ” لأنيس منصور!!

… أتساءل عن طبيعة الإنجاز الذي سيحققه مستقبلاً ابن برتران الصغير!؟

نقلا عن الرياض



كاريكاتير
X