مواجهة التحولات.. بالمنع أم بالتعاطي معها؟

مواجهة التحولات.. بالمنع أم بالتعاطي معها؟

تابع صحيفة” المرصد” عبر تطبيق شامل الاخباري

https://shamel.org/panner

إن أردت أن تكون فاعلاً ومنتجاً ومبدعاً فعليك بالتواصل والتعاطي مع كل جديد من دون خشية، والانفتاح على الآخر بالانطلاق من التسامح بوصفه ركيزة أساسية، ولا شيء غير التسامح..

في سياق الحديث عن الثقافات وصراع الحضارات واستكمالا لما سبق، فإن ثمة معطيات جديدة تتشكل في عالمنا الآن، ولم تعد هناك قدرة بشرية بإمكانها محاربة أو منع هذه التحولات، التي باتت مسلمات تفرض على الجميع أن يتعامل معها سواء بإرادتهم أو من دونها، وهو ما يحدث الآن في أغلب الظن.

في ظل هذا الانفتاح الرهيب، تجددت المفاهيم، وتثاقفت العقول، وتلاشت الحواجز، وكأنها تشي بثقافة كونية آخذة في التشكل والتكون. وعند الارتهان للمنطق، نقول إن الانعزال والتقوقع مثلهما مثل الاندماج والتماهي، فهما في نهاية الأمر ضعف وفقدان ثقة.

ولكن كيف لك أن تحافظ على الهوية وتتواصل مع الآخر في آن واحد؟! الإجابة تكمن في التحديث أو قل التجديد إن شئت، وذلك بنقل التراث من شكل قديم إلى شكل جديد، وذلك بإخراج جوهر التراث الروحي، وتركيب عناصره الجوهرية في ثوب جديد للثقافة.

الحضارات لا تتلاشى إذا ما تلاقحت وتناغمت معا، بمعنى المواءمة؛ أي الاندماج الجزئي لكل الحضارات فيما بينها، مع حفظ واحترام هوية كل حضارة. أما العد التنازلي لأي حضارة وتبخرها أو اندثارها، فإنه يتحقق متى ما كان التقوقع إحدى صفاتها، والتاريخ يعج بكثير من العبر والحقائق، فتوهج الحضارة الإسلامية لم يكن ليحدث لو لم تنهل من الحضارتين الفارسية والرومانية، ناهيك عن ترجمتها للمؤلفات الإغريقية، وهو ما أسهم في إثراء الحضارة الغربية الراهنة بكثير من المساهمات العلمية والأدبية.

البحث عن عوامل تساعدنا على الإبداع مطلب مهم في خضم مواجهتنا لتحديات العصر، التي تكمن في إعمال العقل في النقد والبحث والتجربة، والإيمان بالعمل هدفا وقيمة.

الشاعر الأميركي الحداثي ت. س. إليوت، كتب منذ عقود شعرا جميلا عن المريخ (الكوكب الأحمر)، وفيه تغنى وهمس بأحلام السلام، وأن الأشياء الجميلة تستطيع أن تنمو وتعيش في الصحراء، حتى اليد الممتلئة بالغبار بإمكانها أن تكون معطاءة. هذه الأشياء الجميلة هي التي ستقودنا لكي نحدد وجهتنا واهتماماتنا وحياتنا بأكملها، كما لو أننا ننظر إلى الأرض نفسها من أعلى. شاعرنا هنا يشير إلى ثقافة التسامح، وفتح النوافذ، وجعل هذا الكوكب إنسانيا قبل أي شيء آخر.

ومع ذلك لا تزال في عالمنا العربي أصوات وعقليات تكرس هجومها على الغرب وحضارته، ورفضها المعلن التعامل مع تلك الشعوب، وتصل في غلوها إلى حد المطالبة بالقطيعة مع الغرب. هذا النموذج الذي يسلك فكرا أحاديا، تكرسه الجماعات المتطرفة عبر خطاباتها وأدبياتها. هذا التوجه يتناقض مع مفهوم الموضوعية، فهي تناقض نفسها حينما تطالب بالقطيعة مع الغرب وابتكاراته وإنتاجاته، في حين أن ما فوقها وحولها وتحتها هو من صناعة الغرب، فأي عاقل لا ينكر أن تكنولوجيا الحاضر وابتكارات المستقبل هما من إفرازات الحضارة الغربية. ولا يصل الأمر إلى هذا الحد، بل تجدهم يتصيدون أي إخفاق علمي يتم في الغرب، ليكيلوا له الشتم والتحقير، وكأنهم يتشفون بفشل العلم وتحجيم إنجازات العقل البشري.

هذه عقليات تعاني خللا كبيرا في الفهم والتحليل، فالتقويم الموضوعي يجب أن يكون بعيدا عن العاطفة الأيديولوجية أو الموقفين العقدي والسياسي، ولا سيما في مجال البحث والتحليل العلمي.

هم بذلك يخلطون بين آرائهم وتحليلاتهم. هنالك فرق بين البحث العلمي الإنساني والفكر الغربي (السياسي منه تحديدا)، فالأول يصب في مصلحة البشرية ورفاهيتها، في حين أن السياسة وبرامجها تستند إلى مصالح ذلك الحزب أو تلك الحكومة، وليس بالضرورة أن تعبر عن رغبة الشعوب.

الغرب رغم تحفظاتنا إزاء تعاطيه مع بعض القضايا، قدم للبشرية خدمات جليلة، وما زال ينفق كثيرا لرفاهية الإنسان، غير أن أصحابنا الذين لا يلبثون يقللون من تلك الإنجازات، ويكرسون مفاهيم القطيعة والعداء والكراهية، وهو ما لا يمكن أن يخلق وعيا في ظل عقول لا تؤمن بالرأي الآخر، ولا حتى بوجوده، ناهيك عن البقاء في ساحة المنافسة. إن أردت أن تكون فاعلاً ومنتجاً ومبدعاً فعليك بالتواصل والتعاطي مع كل جديد من دون خشية، والانفتاح على الآخر بالانطلاق من التسامح بوصفه ركيزة أساسية، ولا شيء غير التسامح.

نقلاً عن الرياض

التعليقات مغلقة.

تعليق

  • 1
    العنفوان التهامي

    نتعلم ونخترع ونصنع ونجلب الخبرات لتعليم أبنائنا بدون ابتعاث وبدون اختلاط فهمت أيها الكويتب ترى قصدك معروف لاأخلاقي