حديث عن الجوار والوجود!

حديث عن الجوار والوجود!

مسألة السيادة أمر نحترمه، ولكن أن تأتي دولة تهدد وتعبث وتعربد في مياه الخليج، ثم يخرج بيان من هذه الدولة أو تلك بلغة دبلوماسية هادئة، وينزع إلى الحياد، وربما بتبرير غير عقلاني للسلوك الإيراني، فهذا أمر يثير الاستغراب بلا أدنى شك. ما قيمة كل هذه المواقف التي ربما قد تدفعك إلى التفريط في بلادك؛ بسبب ممارسات عدو يبتسم لك علانية، ويضمر لك الشر خفية كفريسة تتنظر لحظة الانقضاض

أصبح واضحًا وجود مشروعات توسعية إقليمية في المنطقة، هدفها النفوذ والهيمنة عليها. دول الخليج عانت كثيرًا من التدخلات الإيرانية في شؤونها الداخلية، ونستحضر اكتشاف خلايا نائمة مدعومة إيرانيًا في بعض الدول الخليجية، ناهيك عن أن التعاطي الفارسي الصفوي تجاه الضفة الأخرى الخليجية لم يتغير منذ الملكية، والنظرة الدونية لم تزل – مع الأسف – هي ذاتها. بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي للبرنامج الإيراني تابعنا آنذاك مواقف سياسية من بعض الدول إزاء القرار الأميركي، هناك من أيَّد الخطوة الأميركية، وهناك من أبدى قلقه ورفضه بطبيعة الحال، وهناك من بارك الخطوة على استحياء وتعاطف مع إيران. دولتان خليجيتان شقيقتان كان لهما موقف حينها – كما تعتقدان – دبلوماسي وتوفيقي لأطراف الأزمة، إلا أنه – في نظر آخرين – كان ناعمًا ومطاطيًا وغامضًا. من حق الدولتين أن تُعلنا الموقف الذي تريان أنه مناسب ويتفق مع مصالحهما، لكن الخشية مما قد تعنيه تلك المواقف المعلنة الهادئة من رسائل تطمينية لطهران، تدفعها إلى مزيد من التعنت السياسي، والتدخل في شؤون الغير، وقد تبين الآن صحة هذا الحدس. التعامل الدبلوماسي قد يجدي في كثير من الملفات، غير أن هذه القضية الخطيرة لا تدخل ضمنها. هاتان الدولتان لن يختلف وضعهما عن حال البقية حين يندلع الخطر، فستكونان في الواجهة متى ما حدث لا سمح الله، ولذلك من المهم أن يكون موقفهما السياسي يخدم أمنهما وأمن المنطقة، بعبارة أخرى تُغلب أمن المجموع على المصالح الضيقة.

مسألة السيادة أمر نحترمه، ولكن أن تأتي دولة تهدد وتعبث وتعربد في مياه الخليج، ثم يخرج بيان من هذه الدولة أو تلك بلغة دبلوماسية هادئة، وينزع إلى الحياد، وربما بتبرير غير عقلاني للسلوك الإيراني، فهذا أمر يثير الاستغراب بلا أدنى شك. ما قيمة كل هذه المواقف التي ربما قد تدفعك إلى التفريط في بلادك؛ بسبب ممارسات عدو يبتسم لك علانية، ويضمر لك الشر خفية كفريسة تتنظر لحظة الانقضاض؟ فارق أن تعبر عن موقف سياسي تجاه قضية لا تلبث أن تتلاشى نهاية اليوم، وبين قضية تمس أمنك ومستقبل أجيالك.

القرار لديهما انطلق من قناعات وربما من ظروف تاريخية معينة، وهذا من حقهما، على اعتبار أن موقف أي دولة ما إزاء قضية معينة لا يعد خطأ أو تجاوزًا، بل هو من صميم حقوقها في التعاطي السياسي، ولكن القضية هنا تكمن في خطورة تداعيات هذا الملف على استقرار دول الخليج جميعًا. الحالة الإيرانية تحتاج إلى تعاطٍ مختلف؛ لأن المسألة هنا ليست مرتبطة باستقلالية القرار أو السيادة أو مبادئ القانون الدولي، رغم أهمية كل ذلك، بل هي مرتبطة بقضية البقاء والوجود كدول، ما يقتضي اتخاذ قرارات صعبة ومكلفة. نحن كدول خليجية بحاجة إلى صوت قوي وموحد لرفض ما تقوم به طهران، والتأكيد على فرض العقوبات الاقتصادية كوسيلة ناجعة لتأديب النظام الثوري الإيراني. ومع ذلك، تبقى الكرة في الملعب الإيراني. دول الجوار ترغب في منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل، وتفعيل قرار مجلس الأمن «رقم 687» عام 1991 بهذا الخصوص. من لديه وجهة نظر عاطفية وشعبوية نقول له إن دول الخليج ليست بحاجة إلى قوة إقليمية غير عربية لتحقق التوازن الإقليمي مع إسرائيل، كما أن حصول إيران على السلاح النووي يعقد المشكلة ولا يحلها، بل يسهم في زيادة التسلح النووي في المنطقة، فضلاً عن المخاطر البيئية فيما لو حدثت تسرّبات إشعاعية.

إشكالية إيران أنها تنطلق في تعاملها مع دول الجوار من رؤية طائفية ثورية وليست من مفهوم الدولة، ولذا فهي بحاجة إلى نقد ذاتي موضوعي، تنقذ به نفسها والمنطقة من المخاطر، وهذا الهدف لم يعد خيارًا بين خيارات، بل ضرورة استراتيجية لا بد منها؛ لضمان استقرار الخليج وأمنه. أما في حال إصرار طهران على الاستمرار في مشروعها النووي، فإن الخليجيين لن يتأخروا في القيام بالشيء ذاته لتحقيق الردع والتوازن الإقليمي. دول الخليج شركاء في الجغرافيا والتاريخ، وبالتالي مسؤوليتها جميعًا تعزيز أمن واستقرار منطقتنا.

نقلا عن الرياض

التعليقات مغلقة.

لا يوجد تعليقات

  • 2
    مخ

    احسبه موضوع فكري
    لكن طلعت أنا الخايب !

  • 1
    غير معروف

    نامل الاسراع باتخاذ القرارت الحازمه والرادعه لتلك التلاعبات الصبيانيه وعدم الاتكال ع الغرب في امور تقد تادي الي الهاويه بل علينا وضعهم امام الامر الواقع والخروج عن الالوان غير ااواضحه