رئيس التحرير : مشعل العريفي
 بدر بن سعود
بدر بن سعود

معاوية.. كاتب الوحي وصاحب الدولة

الناس في هذه الأيام يأخذون معلوماتهم التاريخية من الدراما السينمائية والتلفزيونية، ولا يلتفتون إلى المؤلفات الموثوقة التي تؤرخ للأحداث بحياد ودقة، أو إنها على أقل تقدير، أكثر مراعاة لعامل المصداقية من المواد الدرامية..
في رمضان المقبل سيتم عرض مسلسلين تاريخيين مهمين هما معاوية والإمام الشافعي، وكلاهما يقدم لشخصيتين بارزتين في التاريخ الإسلامي، فالأول من كتاب الوحي القرآني، ومؤسس الدولة الأموية التي استمر حكمها قرابة المئة عام، والثاني عاصر الفترة الذهبية من حكم الدولة العباسية، وهو صاحب المذهب الثالث في الإسلام، بعد المذهبين الحنفي والمالكي وقبل المذهب الحنبلي، وقد سبق وأن عرضت سيرة الإمام الشافعي في عملين عـامي 1997 و2007، وفــــي المقابل تم تنـــــاول شخصية معاوية في عـــام 2011، وذلك ضمن مسلسل الحســـن والحسين، وبعده جاء مسلسل عمر عن حياة أمير المؤمنين الفاروق في عام 2012، ومسلسل عمر ومعه مسلسل معاويــــة الذي سيعــــرض في المــوسم الرمضاني المقبل، يعتبران الأعلى كلفة في تاريخ الدراما العربية التاريخية، وبميزانية وصلت إلى 53 مليون دولار لعمر و75 مليون دولار لمعاوية.
بطبيعة الحال هذه النوعية من الأعمال الدرامية دائماً ما تكون محل جدل وخلاف، ولكنه لا يعمر طويلاً ويتراجع تدريجياً بعدما تتضح الصورة، فقد تعرضت بعض الأوساط الدينية المحسوبة على مكون معين لمسلسل عمر، وبنفس الطريقة التي يعامل بها مسلسل معاوية في الوقت الحالي، رغم أن تفاصيله لا زالت غير معروفة لمعظــــــم الناس، والثابت أنه سيرصد المحطات الأبرز في حياة معاوية نفسه، وسيتناول تأسيسه للدولة الأموية، والواجب بدل الانشغال بالمعارك الجانبية التفكير في إيصال هذه الشخصيات الاستثنائية إلى ذاكرة العالم.
تماماً مثلما فعل الأتراك مع أعمال من نوع قيامة أرطغرل والمؤسس عثمان، وفيهما تنــــاول لبدايات قيــــام الدولة العثمانية، في القرن الثالث عشر الميلادي، وتحولها من قبيلة تركمانية صغيـــــرة إلى إمبراطورية، فقد تم عرضهما على المنصات العالمية، وشوهدا في أكثر من 150 دولة، والعمــلان احتويا على مغالطات كثيرة وأخطـــــاء بالجملة، والرد عليهما موجـــــود في عمل درامي سابق اسمه ممالك النار، وفيه تفنيد لمزاعم العثمانيين وتمجيدهم المبالغ فيه، وكذلك كشف لممارسات السلطان سليم الأول بحق المصريين، وتحديداً أيام الاحتلال العثماني لمصر في عام 1517.
أهل الاختصاص يتكلمون عن ما يعرف بالنظرية الدرامية، ويقولون إنها تأخذ معاييرها ونظمها الأخلاقية من عوالم متخيلة، وأن رجوعها إلى التاريخ أو الواقع الاجتماعي، يأتي من باب الإحالة على معلوم عند الناس لا أكثر، ولابد بالتــــالي من التفــريق بين الدراما التاريخية التي تشتغل على بنائها الخاص للأحداث، وتعتمد على التشـــويق والإبهار والحبكة الدرامية، وهــــــذا لا يعني التشويه المتعمد للوقائع والشخصيات وبين الفيلم الوثائقي الذي يعرض الحقائق بحيادية ولا يتدخل إلا في طريقة سردها وجمالياتها، ويظهر البناء الدرامي المتخيل بشكل واضح في الفانتازيا الغربية، ومن أمثلتها، تحويل روبن هود إلى بطل أسطوري مع أنه لص وقاطع طريق، ثم إن البطـل في مسلســــل (رشاش) السعودي لم يسرق، من الأساس، بنكاً، وما حدث كان لضرورات درامية، ونحتاج إلى مقاربة مختلفة لدراما عربية تاريخية ومحترفة، يمكنها طرح الأسئلة العميقة والصعبة والثقيلة، كما هي الحال في الأعمال التاريخية المنتجة عن جون كيندي.
في عام 2022 أنتجت المملكة 24 فيلماً سينمائياً مقارنة بمصر التي لم تنتج سوى 22 فيلماً، وتوجد رغبة سعودية صادقة في انتزاع الريادة الفنية داخل المنطقة العربية لصالحها، وهو ما يفسر استقطابها للكفاءات المهنية والمبدعين العرب في المجالات المختلفة، فقد أصبحت سوقاً كبيرة للإنتاج الفني، ولديها الإرادة والقدرة على النهوض بالأعمال العربية، ونقلها من مساراتها السطحية القديمة، إلى النقد الصريح لواقع المجتمعات العربية واهتماماتها، وبأسلوب الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو، في مسألة كتابة التاريخ كما يراه الأشخاص العاديون، وإسقاطه الدرامي على قضايا الحياة اليومية، وبما يفتح طريق الانتقال إلى منافسة الأقوياء في المهرجانات الدولية.
الناس في هذه الأيام يأخذون معلوماتهم التاريخية من الدراما السينمائية والتلفزيونية، ولا يلتفتون إلى المؤلفات الموثوقة التي تؤرخ للأحداث بحياد ودقة، أو إنها على أقل تقدير، أكثر مراعاة لعامل المصداقية من المواد الدرامية، وقد استفادت بعض الأنظمة الجمهورية من مرجعية الدراما، ووظفت سلطتها لخدمة مصالحها وعـــرض ما تعتبره حقيقة من وجهة نظـــــرها، وبالأخص خلال الستينات والسبعينات الميلادية، وبما يفيد في نقل سرديتها ورأيها، والرؤية الاشتراكية وفكرة القائد العسكري المنقذ استغلت في أفلام تلك الفترة، ومن بينها، خالد بن الوليد والناصر صلاح الدين وعنترة بن شداد، والأعجب أن اليسار الجديد من عرب الشمال، يصنف مسلسل معاوية باعتباره تكريساً لنموذج سلطوي، بعدما كان أسلافهم ينظرون إلى ستالين ولينين وتروتسكي كفضلاء وأصحاب عصمة، وشخصيــــة المعصوم تستبد بعقليــة اليســــار العربي في تعاملها مع شخصياتها الأثيرة، وبصرف النظر عن قدسيتها الفعلية، وأعتقد أن صورة معاوية شوهت بشكل ممنهج من قبل خصومه، ولا بد من إعادتها لمكانتها الطبيعة في الدراما الرمضانية المقبلة، وفي ذاكرة المشاهد المترقب لمعرفة الحقيقة.

نقلا عن "الرياض"

آخر الأخبار

arrow up