متعب العريفي : العالم ما بعد 2026: تحولات القوة وإعادة رسم النظام الدولي
يشهد النظام الدولي مرحلة دقيقة تتسم بتصاعد التنافس بين القوى الكبرى وتراجع الثقة في منظومة العولمة التي سادت خلال العقود الماضية. ومع عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، تتجه الولايات المتحدة — وفق ملامح الخطاب السياسي والتحركات الإستراتيجية — نحو إعادة الاعتبار لمفهوم القوة الصلبة، سواء عبر الردع العسكري أو أدوات الضغط الاقتصادي والمالي.
أولًا: من العقوبات إلى الضغط العسكري
منذ سنوات طويلة، تفرض واشنطن عقوبات اقتصادية مشددة على دول تصنفها ضمن خصومها الإستراتيجيين، وفي مقدمتها إيران وفنزويلا. غير أن محدودية تأثير هذه العقوبات في إحداث تغيير جوهري في سلوك تلك الأنظمة دفعت بعض دوائر صنع القرار الأميركي إلى إعادة تقييم جدوى الاكتفاء بالأدوات الاقتصادية.
في الحالة الإيرانية تحديدًا، يتقاطع التصعيد العسكري — عبر الحشد البحري وتعزيز الوجود العسكري في الإقليم — مع مساعي كبح البرنامج النووي وتقليص النفوذ الإقليمي لطهران، لا سيما فيما يتعلق بدعمها لقوى مسلحة غير نظامية في المنطقة. ويعكس ذلك توجهًا يقوم على الجمع بين الردع العسكري والضغط السياسي لفرض معادلات جديدة على الأرض.
ثانيًا: تصدعات داخل المعسكر الغربي
رغم متانة العلاقات التاريخية عبر الأطلسي، برزت تباينات واضحة بين واشنطن وبعض شركائها في حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي. ومن أبرز الملفات المثيرة للجدل مسألة جزيرة غرين لاند الخاضعة لسيادة الدنمارك، والتي تمثل موقعًا إستراتيجيًا بالغ الأهمية في القطب الشمالي.
ورغم أن احتمالات المواجهة العسكرية بين الحلفاء تبقى ضعيفة، فإن استمرار التباينات السياسية والاقتصادية قد ينعكس سلبًا على تماسك التحالف الغربي، خصوصًا في ظل تنامي التحديات الجيوسياسية في أوروبا الشرقية ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ.
ثالثًا: الحروب التجارية وإعادة تشكيل الاقتصاد العالمي
إلى جانب الأدوات العسكرية، عادت الرسوم الجمركية لتشكل ركيزة أساسية في الإستراتيجية الأميركية. فقد استخدمت واشنطن سياسات تجارية صارمة تجاه شركاء تقليديين مثل كندا وفرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة، كما صعّدت المواجهة الاقتصادية مع قوى كبرى مثل الصين وروسيا.
هذا التوجه يعكس سعيًا لإعادة توطين سلاسل الإمداد وتقليص الاعتماد المتبادل، لكنه في الوقت ذاته يسرّع من تشكل تكتلات اقتصادية متنافسة، ويهدد استقرار النظام التجاري العالمي.
سيناريوهات محتملة لما بعد 2026
في ضوء هذه التطورات، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
1. ترسيخ الأحادية القطبية عبر تعزيز الهيمنة الأميركية سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا.
2. صعود نظام متعدد الأقطاب تتوازن فيه القوى الكبرى ضمن تحالفات مضادة للسياسات الأميركية.
3. مرحلة اضطراب دولي ممتد تتراجع خلالها فاعلية المؤسسات الدولية، مثل الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، بما يعيد إلى الأذهان تجربة عصبة الأمم التي انهارت قبيل الحرب العالمية الثانية.
خاتمة
إن العالم يقف اليوم أمام منعطف تاريخي قد يعيد رسم ملامح النظام الدولي لعقود مقبلة. فإما أن تنجح القوى الكبرى في إدارة تنافسها ضمن أطر دبلوماسية تضبط إيقاع الصراع، وإما أن ينزلق المشهد الدولي نحو استقطاب حاد يضعف المؤسسات متعددة الأطراف ويزيد من احتمالات المواجهة.
وفي خضم هذه التحولات، تبرز الحاجة الملحّة إلى بناء تكتلات إقليمية أكثر تماسكًا ورؤية إستراتيجية مشتركة تحمي المصالح الوطنية وتؤسس لموقع فاعل في النظام الدولي القادم، أياً كان شكله. كتبه متعب العريفي


التعليقات (15)